ـ [جمال حسني الشرباتي] ــــــــ [07 - 05 - 2005, 05:22 م] ـ
ثاني درجة [ line]
البلاغة [ line]
أَما البلاغةُ فهي تأْديةُ المعنى الجليل واضحًا بعبارة صحيحة فصيحة، لها في النفس أَثر خلاب، مع ملاءَمة كلِّ كلام للموطن الذي يُقالُ فيه، والأشخاص الذين يُخاطَبون.
فليست البلاغةُ قبلَ كل شيءٍ إلا فنًّا من الفنون يَعْتمِد على صفاء الاستعداد الفِطرى ودقة إدراك الجمال، وتبَين الفروق الخفية بين صنوف الأَساليب، وللمرانة يدٌ لا تُجحد في تكوين الذوق الفنِّى، وتنشيط المواهب الفاتِرة، ولا بد للطالب إلى جانب ذلك من قراءَة طرائف الأَدب، والتَّملؤ من نَميره الفياض، ونقدِ الآثار الأدبية والموازنة بينها، وأن يكون له من الثقة بنفسه ما يدفعه إلى الحكم بحسن ما يراه حسنًا وبقبْح ما يَعُدُّه قبيحًا.
وليست هناك من فرق بين البليغ والرَّسام إِلا أنَّ هذا يتناول المسموع من الكلام، وذلك يُشاكل يين المرْئى من الألوان والأَشكال، أما في غير ذلك فهما سواء، فالرَّسام إِذا همَّ برسم صورة فكَّر في الألوان الملائمة لها، ثم في
تأْليف هذه الأَلوان بحيث تخْتَلِب الأَبصار وتُثير الوجدان، والبليغ إِذا أَراد أَن يُنْشىءَ قصيدة أَو مقالة أو خطبة فكر في أَجزائِها، ثم دعا إِليه من الأَلفاظ والأَساليب أَخفها على السمع، وأكثرها اتصالا بموضوعه. ثم أَقواها أثرًا في نفوس سامعيه وأروعَها جمالا.
فعناصر البلاغة إذًا لفظٌ ومعنًى وتأليفٌ للأَلفاظ يَمْنَحُها قُوة وتأْثيرًا وحُسْنًا. ثم دقة في اختيار الكلمات والأََساليب على حسب مواطن الكلام ومواقعه وموضوعاته وحال السامعين والنَّزْعةِ النفسية التي تَتَملَّكهم وتُسَيْطِرُ على نفسوسهم، فَرُبَّ كلمة حسُنتْ في موطن ثم كانت نابية مُسْتكْرَهةً في غيره. وقديمًا كرِه الأُدباء كلمة"أَيضًا"وعَدُّوها من أَلفاظ العلماء فلم تَجر بها أقلامهم في شعر أَو نثر حتى ظَهَرَ بينهم من قال:
ذَاتِ شَجْوٍ صَدَحَتْ في فَنَنِ (13)
رُبَّ ورْقَاءَ هَتُوفٍ في الضُّحا
فَبَكَتْ حُزنًا فَهاجتْ حَزَني (14)
ذَكَرَتْ إلفًا ودهْرًا سَالِفًا
وبُكاها ربَّما أَرَّقَني (15)
فَبكائي رُبَّما أرَّقها
ولقدْ أشكو فَما تَفهمُني
ولَقدْ تَشْكو فَمَا أفْهمُها
وهْي"أَيضًا"بالجوَى تعْرفُني (16)
غيْر أنِّي بالجوى أعْرِفُها
فوَضع"أيضًا"في مكان لا يتَطلب سواها ولا يتَقَبَّل غيرها، وكان لها من الرَّوْعة والحُسن في نفس الأديب ما يعْجِزُ عنها البيان.
ورُبَّ كلام كان في نفسه حسنًا خلابًا حتى إِذا جاء في غير مكانه، وسقَطَ في غير مسقَطِه، خرج عن حدِّ البلاغة، وكان غَرضًا لسهام الناقدين.
ومن أمثلة ذلك قول المتنبي لكافور الإخشيدى (17) في أَول قصيدة مدحه بها:
وحَسْبُ المنايا أَن يَكُنَّ أمانيا (18)
كَفى بِكَ داءً أنْ نرى الموتَ شافيا
وقوله في مدحه:
لقد كنتُ أَرْجو أن أراك فأَطربُ
وما طرَبي لمَّا رأَيتك بدْعةً
قال الواحِدىُّ (19) : هذا البيت يشبه الاستهزاءَ فإنه يقول: طَرِبتُ عند رؤيتك كما يطرَبُ الإنسان لرؤية المضحكات. قال ابن جنيِّ (20) : لما قرأت على أبي الطيب هذا البيت قلتُ له: مَا زِدتَ على أن جعلت الرجل قردًا، فضَحِك. ونَرى أن المتنبي كان يغْلى صدرُه حِقدًا على كافور وعلى الأَيام التي ألجأَته إِلى مدحه؛ فكانت تَفرمن لسانه كلماتٌ لا يستطيع احتباسها وقديمًا زَلَّ الشعراءُ لمعنى أو كلمة نَفَّرت سامعيهم، فأَخرجت كلامهم عن حد البلاغة، فقد حكَوا أن أبا النجم (21) دخل على هشام ابن عبد الملك وأنشده:
كأنَّها في الأُفقِ عيْنُ الأحول (22)
صَفْراءُ قد كادت ولمَّا تَفعل
وكان هشام أَحْول فأَمر بحبسه.
ومدح جرير (23) عبْدَ المالك بْنَ مَرْوان بقصيدة مطلعها:
"أَتَصْحُو أَمْ فؤَادُكَ غيْرُ صاحِ"فاستنكر عبد الملك هذا الابتداءَ وقال له: بلى فؤادك أَنت.
وَنَعَى علماء الأَدب على البُحْتُرى (24) أن يبدأَ قَصيدةً يُنشدها أَمام ممدوحه بقوله:
"لَكَ الْوَيْلُ مِنْ لَيْلٍ تقاصَرَ آخِرُه".
وعابوا عن المتنبي قولَهُ في رثاء أمِّ سيف الدولة (25) :
على الوجْهِ المكفَّنِ بالجمَال (26)
صلاةُ اللهِ خالِقِنا حَنوطٌ
قال ابْنُ وَكِيع (27) : إِن وصفه أُمّ الملك بجمال الوجه غير مختار:
وفى الحق أَن المتنبي كان جريئًا في مخاطبة الملوك، ولعلَّ لعظم نفسه وعَبْقَريَّته شأْنًا في هنا الشذوذ.
إذن لابدَّ للبليغ أولا من التفكير في المعاني التي تجيش في نفسه، وهذه يجب أَن تكون صادقة ذاتَ قيمة وقوة يظهر فيها أَثر الابتكار
وسلامةِ النظر ودقة الذوق في تنسيق المعاني وحسن ترتيبها، فإذا تم له ذلك عَمدَ إِلى الأَلفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة، فأَلف بينها تأْليفًا يكسبها جمالا وقوّة، فالبلاغة ليست في اللفظ وحده، وليست في المعنى وحده، ولكنها أثر لازمٌ لسلامة تأْليف هذين وحُسْن انسجامهما.
(يُتْبَعُ)