بعد سنة من زواج الطبيب عبده آن أوان الحمل -كما هو معروف- وعادت بنت الشيخ إلى بيت أمها لتقوم بخدمتها في وضع الولادة، فولدت المولود الأول، وما كاد اليوم الثاني ينتصف حتى حضر الطبيب الشاب، وأقبل على زوجته يهنئها بسلامتها، وقد جلب لها من الهدايا كل جميل، وأحضر لمولوده من اللعب والملابس كل نفيس رائع، ومضى ليسجل في سجلات الحكومة واقعة ميلاد ولده الأول، ثم ما لبث أن عاد وفي يده شهادة ميلاد ابنه عيسى، وأقبل على زوجته يرشدها -كونه طبيبًا- إلى ما ينبغي عليها عمله من الاحتياطات، ثم استأذنها بعد أن اطمأن عليها وعلى ولده، وانطلق إلى عمله بسرعة، وجاء الشيخ ليطمئن على ابنته وولدها، فأخبرته بحضور عبده ثم انصرافه بعدما أثبت اسم الوليد بالسجلات، وسألها أبوها في فرحة: فماذا اختار لابنه من الأسماء؟ فأجابته ابنته دون وعي: عيسى.
لكنها رأت من أبيها أمرًا عجبًا، إذ ما لبث حين سمع الاسم أن ضرب كفًا بكف، وقد تغير لونه، وتقطب جبينه، وظهر الغضب الشديد عليه، وهو يقول: عيسى عيسى! واعجبًا لهذا الرجل! أو لم يجد في كل الأسماء التي خلقها الله اسمًا جديرًا بهذا المخلوق إلا هذا الاسم؟! أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم.
وانصرف من عند ابنته وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وأحسّت ابنته أن امرًا عظيمًا قد حدث، كأن خطأً لا يمكن إصلاحه قد وقع، فما هكذا رأت أباها على طول ما عاشت معه ورأت منه، وباتت فريسة لأفكارها وهواجسها، أما الشيخ فقد اعتكف في داره أيامًا لا يرى فيها أحدًا.
وأما زوجته فقد كانت تغالب دموعها، فقد تحقق للجميع أخيرًا ظنها بهذا الطبيب وألاعيبه، وكانت إذا همت بالدخول على ابنتها كفكفت دموعها حتى لا تفجع ابنتها بما أسلمها أبوها له من مصير، وما جناه عليها بعناده وغفلته وانخداعه بأساليب هذا الطبيب الذي سحره.
وفي اليوم السابع أضيئت الشموع ذرًا للرماد في العيون، وتمويهًا على الأم البائسة التي ارتبطت بزوج قيل: إنه أسلم -بل وحسن إسلامه- فإذا به يعلن -في غير حياء ولا مواربة- أنه ما زال مخلصًا لماضيه ولدينه القديم! وإلا فبم يفسر اختياره اسم عيسى لولده؟! ولم يكد اليوم السابع ينقضي حتى غرقت أسرة الشيخ في موجة من الهم والحزن فوق الذي كان قد تجمع لها من قبل؛ حيث إن أقارب الطبيب عبده لما سمعوا أنه سمى ابنه عيسى أرسلوا وفدًا ليهنئوه، وطمعوا بأنه سيعود إلى النصرانية، حيث إن تسميته لولده عيسى علامة على بقائه على دين النصرانية، فجاء أخوه بشير من حي الظاهر ليهنئ زوجة أخيه بمولودها الأول عيسى، ولم يكن بين أسرة الشيخ وأسرة الطبيب من قبل سابق ودّ ولا تعارف، فكانت لهذه التهنئة منهم معانٍ غير خافية عليه، لكن الشيخ تماسك وتصنع الثبات تصنعًا، حتى كان الغد، فخرج من الفجر ليلحق بالطبيب عبده في داره قبل أن يغادرها إلى العمل، فله معه شأن.
وحين فتح الطبيب باب داره للشيخ فوجئ به يغلق الباب في عنف خلفه وهو يمسك بتلابيبه ويقول له: ما هذا الذي فعلت بابنتي أيها الزنديق؟! والله لا أفلتك من يدي حتى أعلم حقيقتك، لقد سكتنا على التزامك اسمك رغم اعتناقك الإسلام، وكان يجب أن تغيره إلى ما يدل على إسلامك، ولقد أحسنا الظن بك وبما سقته من حجج كانت تبدو لنا صادقة يوم نطقت بها، أما وقد انكشف أمرك الآن بتسمية ولدك عيسى فاعلم أن اختيارك لولدك هذا الاسم له من المعاني ما لا يخفى على أحد، ولقد كنت أعالج نفسي بالتصبر حتى ألقاك، إلى أن جاءنا بشير من عند أبيك يحمل التهاني التي تنطوي على سخرية أبيك بعقولنا وشماتته لمصير ابنتي المسكينة التي جنيتُ عليها حين قبلتُ زواجك بها، فتكلم بالحق وإلا قتلتك شر قتلة.
ورأى الطبيب أن الشيخ يهدر غاضبًا، والدماء تندفع من صدره إلى جبينه حمراء قانية، والشرر يتطاير من عينيه، ويشير إلى ما بداخله من غليان براكين الثورة.
فبقي بين يدي الشيخ هادئًا ساكنًا حتى يسكن غضبه، لكن حالة الشيخ كانت تنذر بأنه قد أضمر أمرًا خطيرًا، وأنه قد يرتكب جرمًا وحشيًا تحت وطأة إحساسه بخيبة الرجاء، إذ كان يبدو عليه أنه استنفد من الجهد ما أضناه، وأنه سيتصرف مع الطبيب تصرف اليائس منه.
فناظره الطبيب قائلًا: يا عم! اقسم لك أن الأمر كما علمته من حسن إسلامي، ولقد أكرمتني بإحسانك إلي إذ ارتضيت مصاهرتي لك، فكيف تصورت في نفسك ما نطق به لسانك الآن؟! وهل تظن أن ما جرى لي بسبب إسلامي وملاحقة أهلي لي بالتهديد والويلات والأذى وطردهم لي من دار أبي وهجري لأهلي ولجوئي إلى الحق والهدى كان كله تمثيلًا وعبثًا؟! وهل قدمت لي منذ عرفتك إلا الخير والعون والحب؟! فكيف تظنني أسيء إليك أو أجني على ابنتك؟! وإذا كان ذلك مما كان يجوز لي وأنا على غير الحق فكيف أستجيزه لنفسي وقد عرفت الله ورسوله والقرآن؟! يا عم! إن كنت أردت بعدما قلته لك -والله على ما أقول شهيد- أن تبيدني فهأنذا بين يديك، ما تغيرت عن الإسلام ولا استبدلت، فأنت صهري وعمي وأبي وأهلي، وليس لي الآن من الناس بعد ولدي من هو أقرب إلي منك، ستجدني طوع أمرك فيما تظنه صوابًا، وسأقبل حكمك أيًا كان.
فهلا منحتني بعض ما قد يكون بقي عندك من صبر لعلي أحدثك بما عندي من حكمة اختيار اسم عيسى لولدي؟ وكانت لهجة الطبيب هادئة رغم ما صبّه عليه صهره من لوم وتقريع، ورغم شناعة الصورة التي رسمها صهره من فزع أحاط الأسرة، وأحداث جسام توشك أن تعصف بالجميع.
قال له: تكلم وقل ما عندك، ولا تخف عني شيئًا، ولتعلم أنك قد ألقيتني في الجحيم جزاء صنيع المعروف معك.
فابتسم الطبيب وهو يقول: كأنك لا تريدني -يا عم- أن أتكلم.
قال: بل هأنذا مصغٍ إليك واعٍ لما ستقول، والله وحده يعينني على ما أنا فيه.
قال الطبيب الناشئ: إن بيني وبين ربي عهدًا لا يعلمه إلا هو، وإني أسير على الدرب لا أحيد، وما وجدت من ربي إلا الفضل يتلوه الفضل، وفي ظني -والعلم عند الله جل شأنه- أن هذا الحادث الذي أفزعكم حتى آذيتموني هو أكبر نعمة منّ بها الله علي بعد نعمة الإسلام.
فتمتم الشيخ في صوت حزين: تقول: أكبر نعمة؟! اللهم! إنك أنت السلام، ومنك السلام، اللهم! أفرغ علينا صبرًا من عندك، فلا حول ولا قوة إلا بك.
عاد الطبيب يقول: نعم.
قد يكون هذا التتابع في الأحداث بشيرًا لي بأن الله قد استجاب دعائي، فله الحمد في الأولى والآخرة.
ثم استطرد يقول: إنني حين تمسكت لنفسي بعد إسلامي باسمي الذي كان قد اختاره لي أبي -فهو كما تعلم- عبده - تعلق رجائي بأن يمتد بي الأجل حتى أكون كفؤًا لزوجة صالحة من بيت طيب، وأن أرزق منها مولودًا يكون أول أبنائي، وأن أدعوه عيسى، وها قد تحقق الرجاء بفضل من الله ونعمة.
فقاطعه الشيخ محتدًا: وأي فضل تريدني أن أراه فيما ذكرت؟! فارتفع صوت الطبيب الشاب في نبرة من الغضب وقال: يا سيدي! صبرًا، فما أتممت كلامي بعد.
واستطرد يقول: إلى هنا وأنت ترى أن الأمور التي وقعت لا تستوقف نظرك، ولا تثير فيك عجبًا، أما أنا فقد رأيت هذه الأمور قبل أن تقع آمالًا ترتفع يداي في كل لحظة بسببها إلى السماء بالدعاء، آمالًا سهرت من أجلها الليالي الحالكة التي أحاطت بي لبضع سنوات مضت، وإن الله الذي أنعم علي بهذا كله لأكرم من أن يرد ما بقي لي من رجاء عنده.
قال الشيخ: وما هذا الرجاء؟ قال الطبيب: إنه -إن شئت- رجاء، وإنه -إن شئت- عهد وميثاق إذا نحن أمعنا النظر، فلقد كنت عاهدت ربي إن هو رزقني بصبي لأحرصن على تنشئته تنشئة صالحة، ولأدعون له بطول العمر، وبالتوفيق لما فيه رضاء الله، بأن يكون له في حياته -ومن بعد مماته- أحسن الذكر على ألسنة العباد.
وهذا ما وقع، فإن فضيلة الدكتور عيسى عبده رحمه الله كان من الناس العظماء في الاقتصاد الإسلامي كما هو معلوم، وكان من الناس الذين غذوا الصحوة ورووا جذورها في بدايتها.
فضاق الشيخ ذرعًا باستطراد هذا الطبيب الحدث في سرد أحلامه، فقاطعه قائلًا: وأي والد لا يرجو لولده مثل ما رجوت لولدك؟! وأية صلة بين هذا الرجاء وذلك الميثاق وبين اختيار اسم المسيح عيسى ابن مريم ليكون علمًا على ولدك الذي تريد له الخير فيما تقول؟! قال: يا عم! إني لا أحصي ثناءً على ربي، ولا أقدر على حمده جزاء ما أنعم به علي، ولذلك جعلت من وجود هذا الولد شهادة تنبض بالحياة -ما بقيت له الحياة- بأن عيسى عبده يعني: عيسى ليس هو الله، وإنما عيسى عبده، فكلما ذُكر اسمه يقال: عيسى عبده، أي: ليس عيسى هو الله، لكنه عبد الله، وما هو بولده، ولا هو الإله -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا-، فكل ما ذكره الناس غائبًا أو حاضرًا، حيًا أو ميتًا كان ذكرهم هذا شهادة مني بين يدي الله عز وجل بأن عيسى عبده! ولقد استجاب ربي لأول الدعاء، وها هو المخلوق الصغير حقيقة ماثلةً بين يدي، وشهادة مني بما آمنت به، وإن الذي أسبغ علي هذه النعمة الكبرى لقادر على أن يمد في أجله، وأن يهديه سواء السبيل حتى يكون أهلًا لحمل هذه الشهادة التي فرقت في حياتي الخاصة بين ضلال كنت فيه وهداية أرجو أن تزيد.
ثم قال: يا عم! لا ندري أيكون هذا الصبي صالحًا أم غير صالح؟ ولا ندري هل كتب له من طول العمر أم لا؟ ولكني أعلم من الله أنه ما خذلني ولا أسلمني لأمر لا أحبه منذ سَرَت في أطرافي قطرات الماء عند الوضوء أول مرة، وأنا بعد صبي لا أميز بين عقيدة وأخرى، وقد دعوت الله سبحانه وتعالى أن يرزقني ولدًا ثانيًا يكون اسمه محمدًا حتى يحمل اسم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذهب الغضب عن الشيخ، وتبدل القلق إلى رجاء واطمئنان، ثم قال له: يا عم! إذا فرغت من الشهادة التي أرجو أن تكون شفيعة لي عند الواحد الأحد -وهو يقصد بالشهادة عيسى عبده - وفيها توحيد العبادة لربي فهل هناك من اسم يذكر بعد شهادة أن لا إله إلا الله سوى