فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 2122

فمن أشد الأمور جسامة: الخلط بين أحكام الجهاد وبين أحكام الخروج على الحكام، فصارت كلمة الجهاد الآن تطلق على الخروج على الحكام، في حين أن هذا الباب مستقل تمامًا في الفقه عن باب الخروج.

إذا أطلق الجهاد في سبيل الله فإنما ينصرف إلى قتال الكفار لنشر دين الله سبحانه وتعالى، والذب عنه، والمعاونة على ذلك، فهذا هو الجهاد اصطلاحًا، ولا يمكن أن يستعمل استعمالات أخرى، فالجهاد عند الإطلاق ينصرف إلى هذا المعنى، فهذا باب، وموضوع الخروج على الحكام باب آخر، ولا يمكن أبدًا أن يذم الجهاد في حال من الأحوال، فالجهاد في سبيل الله عز وجل ممدوح في كل الأحوال، ما دام أنه مستوفٍ للشروط الشرعية.

أما الخروج فهو نوعان: الأول: خروج على الحاكم الجائر، والثاني: خروج على الحاكم الكافر، والحاكم فيه تفصيل: أما الحاكم الجائر فقد أجمع العلماء على عدم جواز الخروج عليه، وأما الحاكم الكافر فاتفقوا على جواز ذلك، لكن بشروط دقيقة جدًا، فقد يذم هذا الخروج أحيانًا، وقد يمدح أحيانًا.

أما إطلاق الجهاد مطلقًا عليه، فنشبهه بما يحصل من بعض الجماعات الأخرى في تطويع الحقائق الشرعية لمسميات لا تماثل بينها وبين هذه الحقائق الشرعية، كما تفعل جماعة التبليغ، فهم لم يكتفوا في بيان فضل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالآيات والأحاديث الواردة في فضيلة الدعوة إلى الله عز وجل، وهي تكفي، لكنهم عمدوا أيضًا إلى النصوص الواردة في الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى في القرآن والسنة، فحولوها وصرفوها إلى الخروج للدعوة معهم، وكلمة الخروج اصطلاح خاص عند جماعة التبليغ، حتى قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] يجعلونها للخروج معهم؛ بناء على المنام الذي رآه شيخهم محمد إلياس كما يزعمون! وكذلك قوله تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} [التوبة:46] ، فيجعلون الخروج في هذه الآية حسب الاصطلاح الخاص بجماعة التبليغ، وهكذا يعمدون إلى نصوص الجهاد ويطلقونها ويطبقونها على هذا النوع من الخروج، كما فعلت الصوفية حينما صرفت نصوص الجهاد إلى جهاد النفس، ويستدلون بالحديث الموضوع: (رجعت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس) .

كذلك فعلت بعض هذه التيارات حين أطلقت مصطلح الجهاد على شيء لا يكون تحت اسم الجهاد، والفرق كما بينا: الجهاد في كل الأحوال ممدوح، كما سنفصل ذلك إن شاء الله، أما الخروج فقد يمدح وقد يذم، بالنظر إلى الشروط والضوابط التي وضعها العلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت