السيادة: هي عبارة عن إرادة عليا تتميز بخصائص لا توجد في غيرها من الإرادات، وجماع هذه الخصائص أنها الإرادة التي تحدد نفسها بنفسها، فصاحب السيادة لا يمكن أن تلزمه إرادة أجنبية عنه بالتصرف على نحو معين، وهو لا يلتزم بالتصرف على نحو معين إلا إذا أراد هو ذلك كما أشار إلى ذلك دوبي في كتابه (السيادة والحرية) وهذا يعني أن سلطة صاحب السيادة مطلقة؛ لأنها لو لم تكن كذلك سوف تعتمد على إرادة أخرى تقوم بتحديدها، مما يتعارض مع ما تقرر لها من أنها سلطة أصيلة، بمعنى: أنها لم تتلق هذه الخاصية من إرادة سابقة عليها، أو من إرادة أعلى منها.
إذًا: نستطيع أن نجمل خصائص مفهوم السيادة فيما يلي: أولًا: الإطلاق، يعني: أنها سلطة مطلقة.
ثانيًا: السمو.
ثالثًا: الوحدانية والتفرد.
رابعًا: الأصالة.
خامسًا: عدم القابلية للتملك.
سادسًا: العصمة من الخطأ.
فأول خصائص السيادة: الإطلاق، فصاحب السيادة لا يفرض عليه قانون، بل القانون هو تعبير عن إرادته، وليس لإرادة أجنبية عنه أن تلزمه بالتصرف على نحو معين؛ لأنه لا توجد إرادة تساميه أو تساويه، إرادته آمرة دائمًا، وليس لأحد قبله حقوق، وعلاقته بغيره علاقة السيد بالرعية، أو المتبوع بالتابع، وعلى الرعية أو التابع تنفيذ ما يصدر عنه من أوامر، ليس بسبب مضمون الأوامر أو فحواها، ولكن لأنها صادرة عن إرادة هي بطبيعتها أعلى من إرادتهم.
يقول أحد فلافسة نظرية السيادة: إنه لا يتفق مع طبيعة النظام السياسي نفسه أن يفرض على صاحب السيادة قانونًا لا يستطيع أن يخالفه أو ينقضه.
إذًا: هذا فيما يتعلق بأنها سلطة مطلقة، فصاحب السيادة لا يمكن أن يفرض عليه قانون، بل القانون يعبر عن إرادته هو.
الخاصية الثانية: السمو، فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، العلو والفوقية، وهذه كلمة حساسة عند السلفيين (الفوقية) ، فعندهم الفوقية للسيادة، فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، وسلطة تعلو كافة السلطات، لا توجد فيما تنظمه من علاقات سلطة أعلى منها، ولا سلطة مساوية لها.
الخاصية الثالثة: الوحدانية والتفرد، فلا يوجد على الإقليم الواحد إلا سيادة واحدة، إذ لو وجدت سيادتان على إقليم واحد لفسدت أحواله، ووجه ذلك أنه لو صدر من كل منهما تكليف يناقض ما أصدرته الأخرى فلا يخلو الأمر من أحد هذه الأحوال: تنفيذ التكليفين المتضادين معًا، وهو محال، أو الامتناع عنهما معًا، وفي ذلك إبقاء لسيادتهما معًا، أو إنفاذ واحدٍ منهما فقط فيكون صاحبه هو الأحق بالسيادة، وتبطل سيادة ما سواه.
الخاصية الرابعة: الأصالة، فهي قائمة بذاتها، يعني: السيادة قائمة بذاتها لم تتلق هذا العلو من إرادة سابقة عليها أو إرادة أعلى منها.
الخاصية الخامسة: عدم القابلية للتملك، السيادة غير قابلة لأن يتملكها أحد، فإذا اغتصبها من ليس أهلًا لها، وفرض على الناس سلطانه مدة من الزمن طالت هذه المدة أو قصرت، فإنه لا يستطيع أن يدعي شرعية سلطته أو شرعية سيادته مهما طال الأمد، فغصب السيادة سيظل دائمًا غصبًا لا يثبت بالحيازة، ولا يسوغه التقادم.
الخاصية السادسة والأخيرة: العصمة من الخطأ، فنظرية السيادة تنزع إلى اعتبار إرادة الأمة إرادة مشروعة، وأن القانون يعد مطابقًا لقواعد الحق والعدل، لا لسبب إلا لأنه صادر عن إرادة الأمة أو ممثليها، ولذلك فإن هذه النظرية تنسب إلى الأمة أو الشعب صفة العصمة من الخطأ حتى قال أحد زعماء وفقهاء ذلك العصر وهو بابلي: حينما يتكلم القانون يجب أن يصمت الضمير، هذه هي السيادة كما أصدرها الكتاب الفرنسيون، ونصَّت عليه القوانين الفرنسية المتعاقبة، وكما انتقلت منها بعد ذلك إلى معظم الدساتير في كثير من بلدان العالم، السيادة سلطة عليا آمرة تفردت بالحكم، فلا تشرك في حكمها أحدًا، إرادتها هي القانون، وتوجيهاتها هي الشريعة الملزمة.
إذًا: تفردت بالحكم فلا تشرك في حكمها أحدًا.
ثانيًا: تفردت بالعلو، فلا تعرف سلطة أخرى تعلو عنها أو تساويها.
ثالثًا: قائمة بذاتها، فلم تكتسب سلطانها من إرادة أخرى.
رابعًا: حقوقها مقدسة لا تقبل التنازل، ولا يسقطها التقادم، معصومة من الخطأ، فكل ما يصدر عنها هو الحق والعدل.
إذًا: يضع الدكتور الصاوي تعريفًا للسيادة بناء على هذه الخصائص فيقول: إن السيادة هي السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال.
أو بتعبير آخر: هي السلطة العليا المطلقة التي تملك وحدها الحق في إنشاء الخطاب المتعلق بأفعال المواطنين على سبيل التكليف أو الوضع.
والتكليف قد يكون تكليفًا بفعل شيء، أو تكليفًا بتركه، أو تخييرًا بين الفعل والترك، فخطاب التكليف هو الخطاب المتعلق بجعل الشيء واجبًا أو محرمًا أو مباحًا، أما الوضع فهو الربط بين شيئين برابطة السببية أو الشرطية أو المانعية.
فخطاب الوضع: هو الخطاب المتعلق بجعل الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا، وعلى هذا فالسيادة: هي السلطة العليا المطلقة التي تفردت بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال، فهي التي تملك جعل الفعل واجبًا أو محرمًا أو مباحًا، وهي التي تملك جعل الشيء سببًا أو شرطًا أو مانعًا.
والذين درسوا أصول الفقه يشاهدون التشابه الشديد في قضية الحكم، ومبحث الحكم في كتب أصول الفقه سواء الحكم الوضعي أو الحكم التكليفي.
يقول: هذا ويلاحظ أن السيادة والديمقراطية تعبيران عن فكرة واحدة، فالسيادة هي التعبير القانوني، والديمقراطية هي التعبير السياسي، وعلى هذا فنظرية سيادة الأمة: هي التعبير القانوني عن الديمقراطية التي تميز نظام الحكم في الدول الرأسمالية.