فهرس الكتاب

الصفحة 1862 من 2122

قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله في معرض بيان حكمة اقتران السحر بالحسد: الوسواس أخص بشياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس، والوسواس يعمهما كما يأتي في سورة الناس، والحسد يعمهما أيضًا، فكلا الشيطانين من الجن والإنس حاسد موسوس، فالاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعًا.

ويقول: أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود، وتمني زوالها، فالحاسد عدو نعم الله، هذا الشر هو من نفسه وطبعها، ليس شيئًا اكتسبه من غيرها، يعني: أن الحاسد لا يزاول أعمالًا معينة خارجة كالساحر مثلًا، وإنما يكون خبيث النفس، ولو نلاحظ عنوان الكلام الآن لرأينا بعض الفروق بين الحسد وبين السحر، وبعض أوجه الاتفاق أيضًا بينهما.

يقول: شر الحاسد يكون أصلًا خلقًا راسخًا في نفسه، ومن طبعه، لم يكتسبه من غيره، بل هو من خبثها وشرها، بخلاف السحر فإنه يكون باصطفاء أمور أخرى، واستعانة بالأرواح الشيطانية، فلهذا -والله أعلم- قرنت السورة بين شر الحاسد وشر الساحر، فالحسد والسحر يأتيان من شياطين الإنس والجن، وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن، وهو الوسوسة في القلب، ولذلك ذكرها في السورة الأخيرة وهي سورة: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) .

فالحاسد والساحر يؤذيان المسحور والمحسود بلا عمل منه، بل هو أذى من أمر خارج عنه، بخلاف الوسوسة، فالإنسان مكلف بمجاهدة الوسوسة، ولذلك أفردها بصورة مستقلة، لكن السحر والحسد يكون الإنسان فيهما مظلومًا.

يقول: والوسواس إنما يؤذي العبد من داخل، بواسطة مساكنته له، وقبوله منه؛ لهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن بها الأفعال والعزم الجازم؛ لأن ذلك بسعيه، وإرادته، بخلاف شر الحاسد والساحر فإنه لا يعاقب عليه.

يقول: كثيرًا ما يجتمع في القرآن السحر والحسد -هو يريد المناسبة بين الأمرين- فاليهود أسحر الناس وأحسدهم، فإنهم لشدة خبثهم فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم، قال الله عز وجل في وصف اليهود: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102] ، وهذه كلها من الشرور التي خلقها الله.

ولابد -ونحن نتكلم على هذه الشرور- أن نستصحب هذا المعنى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:102] بل نستصحب أيضًا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم ل ابن عباس رضي الله عنهما، وإلا وقعنا في الشرك، فإذا ظننا أن الإنسان يقدر على الضرر الحقيقي بنفسه، فهذا شرك، فإن الضرر لا يكون إلا بإذن الله مثل ضرر المرض، وهكذا أي نوع من الشرور التي تؤذي الإنسان، فهذا من البلاء الذي يبتلى العبد به ما لم يكن تفريطًا منه، قال عليه الصلاة والسلام: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) .

إذًا: لابد أن نكون على حذر -حتى لا نقع في شرك- أن نظن أن الغير أو العباد يملكون ضرًا أو نفعًا بأنفسهم، وإنما يكون بإذن الله الكوني القدري، فالله لا يحب هذه الشرور، لكنها تكون بمشيئته، كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان:30] .

فهذا وصف اليهود بأنهم كانوا سحرة، أما وصفهم بالحسد فمثل قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:54] وقوله عز وجل: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة:109] .

لهذا كلما كان الساحر أكثر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم كان سحره أقوى وأنفذ؛ ومن ذلك سحر عباد الأصنام، وطبعًا أول ما نتذكر عباد الأصنام نتذكر خيلاء المصريين، فمعروف أنهم كانوا بارعين في هذا النوع من الكفر؛ لأنهم كانوا مغرقين في عبادة الأصنام، والشرك بالله سبحانه وتعالى، ومعاداة رسله، فلهذا كان لهم من السحر ما ليس لغيرهم أيضًا.

فكلما قويت عبادة الشيطان والوثنية في قوم قوي فيهم تأثير سحرهم.

فالمقصود: أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر، لكن الحاسد بطبعه ونفسه، وبغضه للمحسود، والشيطان يقترن به ويعينه ويزين له حسده، ويأمره بموجبه، أما الساحر فبعلمه وكسبه، وشركه واستعانته بالشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت