هناك عوامل كثيرة تحتم مناقشة هذه القضية، وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن طُلب مني الكلام في هذا الموضوع، فجاء الطلب موافقًا لما في النفس، وهذه القضية لا شك أنها مهمة وشائكة، لكنها مثل كثير من القضايا لا يجدي معها التجاهل والإعراض، خصوصًا وأن لها كثيرًا من الآثار والأبعاد.
وهناك أسباب كثيرة تمنع الإنسان من الكلام المباشر والمفصل في قضية الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، وما يطلق عليه الجهاد في سبيل الله الآن في عصرنا؛ لأنه طرأ في السنوات الأخيرة فهم جديد لكلمة (الجهاد) ، وهناك مد وجزر في الكلام في هذه القضية؛ لأن فيها حساسية شديدة.
أول عوامل الامتناع من الكلام فيها: أن الإنسان يشفق دومًا أن يقف في خندق واحد مع أعداء الإسلام، فالذين يواجهون التيارات الجهادية في أغلبهم أعداء الإسلام من الداخل ومن الخارج، من المنافقين، والملاحدة، وغيرهم من أعداء الله عز وجل في كل مكان، وهم يقفون في مواجهة من يسلك هذا السبيل لإعزاز كلمة الله تبارك وتعالى بما يراه طريقًا إلى تحقيق هذا الهدف، فبلا شك أن في الأمر حرجًا شديدًا، لكن المسئولية أمام الله سبحانه وتعالى كبيرة، فهناك حرمات تنتهك، فينبغي أن تستبعد العواطف إذا كان الإنسان يبحث المسألة بحثًا موضوعيًا مجردًا.
وقد يحصل أحيانًا اتحاد في الموقف، كما حدث عند اندلاع ثورة إيران، فكنا نعاير بنفس الشيء، كيف تحذرون من ثورة إيران؟ وكيف تنكرون عليها وأعداء الإسلام -أمريكا والغرب كله- يهاجمها؟ فنحن نقف معهم في خندق واحد، وفي الحقيقة أن التمادي مع هذه السياسة له ثمار غير محمودة، وله عواقب غير حميدة.
وقد يحصل اتفاق مع الكفار في المواقف من بعض النواحي، لكن إذا كان المنطلق مختلفًا فلا حرج في هذه الحالة، فالكفار ينطلقون من منطلق الحقد على الإسلام، والعداوة للإسلام، والمسلمون يتناصحون فيما بينهم؛ حرصًا على الإسلام، وعلى مصلحة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فالمنطلق مختلف، فإذا كانت الشيوعية مثلًا تحارب الربا، والإسلام يحارب الربا، فهل معنى ذلك أننا نقول: الإسلام هو الشيوعية؟! لا، فالمنطلق مختلف، وحين نتدارس هذه القضية سنتدارسها من منطلق مختلف عما ينظر من خلاله أعداء الله تبارك وتعالى.
وكنا نترقب بين وقت وآخر، ونقول: ننتظر حتى تمر هذه العاصفة، وسنتكلم بعد ذلك، فما تكاد تأتي عاصفة إلا وتأتي أخرى أشد منها.
وما من شك أن من العوامل المؤثرة والفعالة في تهييج هذه الأوضاع -بالذات في السنوات الأخيرة- أن الذين وقفوا ضد الصف الإسلامي داعين إلى النار، صدر منهم ظلم وأذية لعباد الله، وللدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، وانتهاك لحرمات المسلمين، مما أدى إلى حصول رد فعل في المقابل، وهو ما يطلقون عليه: الإرهاب والإرهاب المضاد، وإن كنا نتحرج كثيرًا من استعمال هذه المصطلحات الخبيثة، لكن كثيرًا من المنصفين من خصوم الإسلام يقرون بأن هذا المسلك إنما هو رد فعل لمن تعدوا كل الحدود، وتفلتوا من كل الضوابط، وتخلوا عن كل القيم، فسلكوا مسالك الجبابرة والظالمين في تعاملهم مع المسلمين.