لقد اتفق أهل العلم على اعتبار المصالح في الأحكام، إلا أنهم اتفقوا أيضًا على أنه لا اعتبار لمصلحة شهد لها الشرع بالبطلان، وذلك بوجود نص يدل على حكم في الواقعة، بخلاف الحكم الذي تمليه المصلحة، يعني: أحيانًا تظهر لنا بالعقل مصالح في بعض التصرفات، لكن إذا كانت هذه المصلحة تصادم دليلًا شرعيًا فهذه مصلحة ملغاة لا يلتفت إليها، مثال ذلك فتوى أحد الفقهاء لملك جامع في نهار رمضان، فالمفتي تحذلق فأفتى الملك بالصوم بدلًا من العتق، رغم كونه واجدًا للرقبة وقادرًا على إعتاقها، فالمفتي هنا المفروض أن يفتيه بالعتق دون بالصوم، فهو أفتاه بالصوم بدل العتق لمصلحة اعتبرها من عند نفسه أن الملك رجل غني فعندما نقول له: إن الكفارة عتق رقبة، فهذا أسهل شيء بالنسبة له فسيعتق رقبة، لكن لأجل أن أزجره فأنا أقول له: إن الكفارة هي الصيام، فعندما يصوم ستين يومًا أو شهرين متتابعين فهذا يكون أزجر له، فهو هنا ينظر لمصلحة معينة، لكن هذه المصلحة غير معتبرة شرعًا، فبالتالي هذا نوع من المصالح المهدرة أو الملغية لمصادمتها للنص الشرعي، وهي مصلحة متوهمة في مقابلة نص فلا اعتبار لها.
وكذلك بعض الناس يقول: إن الأنثى ينبغي أن تساوي الذكر في الميراث بدعوى أن المصلحة تقتضي ذلك؛ لأنهما يتساويان في درجة القرابة من الوارث، يعني: هذه بنته وهذا ابنه، فدرجة القرابة واحدة، فبناء على هذا النظر المصلحي تسوى الأنثى بالذكر في الميراث، ثم إن البنت أصبحت تشارك زوجها في أعباء الحياة، فساوت الابن أيضًا من هذه الجهة، فهذه مصلحة لكنها مهدرة وملغاة وغير معتبرة؛ لأنها وقعت في مقابلة النص الصريح القاضي بأن: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء:11] ، فإذا كان الأمر كذلك، وكانت الأحكام الثابتة بالنصوص مشتملة على المصلحة لا محالة أدركها من أدركها، وغفل عنها من غفل، فإنه لا اعتبار لمصلحة أهدرتها نصوص الشريعة، فهذا كله أيضًا مما يؤكد أن السيادة للشرع لا لغيره.