يقول الله عز وجل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1] يأتي في الآية النصر والفتح، مع أن كلًا منهما مرتبط بالآخر، فمع كل نصر فتح ومع كل فتح نصر، فجاء النصر مضافًا إلى الله تعالى، والفتح جاء مطلقًا.
وقد اتفقوا على نزول هذه السورة بعد فتح مكة، ومعلوم أنه سبق فتح مكة عدة فتوحات، منها فتح خيبر، ومنها صلح الحديبية، قال عز وجل عن صلح الحديبية: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1] وقال الله عز وجل: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:27] .
والنصر يكون في معارك القتال، ويكون بالحجة والبيان، فيكون بكف العدو كما في سورة الأحزاب، يقول الله عز وجل: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب:25] ، وكما قال عز وجل في شأن اليهود: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب:26 - 27] .
إن النصر من عند الله العزيز الحكيم، ولقد علم المسلمون ذلك كما جاء في قوله تعالى: {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة:214] فجاءهم
الجواب { أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214] .
فدائمًا النصر يضاف إلى الله سبحانه وتعالى، فقال سبحانه وتعالى عنهم: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة:214] ثم قال: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214] وقال عز وجل: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1] .
وقال صلى الله عليه وسلم (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وقد قال الله عز وجل لموسى ولأخيه هارون: {لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:46] ، فهذا -أيضًا- من نصر المعية، وكذلك الفتح يكون بانتشار دين الإسلام، وكما نعلم أن أعظم الفتوح في الإسلام فتحان: فتح الحديبية، وفتح مكة، ففتح الحديبية كان تمهيدًا للثاني، والثاني كان قضاءً على دولة الشرك في الجزيرة.