فهرس الكتاب
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
أيها الأخ المسلم! يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فوالذي نفسي بيده فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له عليه في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار، قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجون معنا ويجاهدون معنا فأدخلتهم النار! قال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا من عرفتم منهم.
فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجون منها بشرًا كثيرًا، فيقولون: ربنا! قد أخرجنا من أمرتنا.
قال: ثم يعودون فيتكلمون فيقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان.
فيخرجون خلقًا، ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا.
ثم يقول: ارجعوا، فمن كان في قلبه وزن نصف دينار فأخرجوه.
فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا! لم نذر فيها ممن أمرتنا.
حتى يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة.
فيخرجون خلقًا كثيرًا، قال أبو سعيد رضي الله عنه: فمن لم يصدق بهذا الحديث فليقرأ هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:40] : قال: فيقولون: ربنا! قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير.
قال: ثم يقول الله: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفع المؤمنون وبقي أرحم الراحمين، قال: فيقبض قبضة من النار -أو قال: قبضتين- ناسًا لم يعملوا لله خيرًا قط، قد احترقوا حتى صاروا حممًا، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له: الحياة، فيصب عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظل كان أبيض، قال: فيخرجون من أجسادهم مثل اللؤلؤ وفي أعناقهم الخاتم -وفي رواية: الخواتم- مكتوب عليها: (عتقاء الله) ، قال: فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فما تمنيتم ورأيتم من شيء فهو لكم ومثله معه.
فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه! قال: فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين.
قال: فيقول: فإن لكم عندي أفضل منه.
فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟ قال: فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدًا) هذا الحديث أصله في الصحيحين، وهو في رواية خارج الصحيحين صحيح على شرط الشيخين، قد رواه عبد الرزاق وعنه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في التوحيد، والمروزي في (تعظيم قدر الصلاة) .
وهذا الحديث يعد من أقوى الحجج التي يستدل بها من لا يكفر تارك الصلاة، ولا يخرجه من الملة بالكلية بترك الصلاة كصلاة واحدة.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأن إثمه أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال، ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة.