فهرس الكتاب

الصفحة 1582 من 2122

هذه المواقف من العلماء، وهذه الدندنة حول الكتاب -كما سنرى- تفيد أن الكتاب فيه فوائد قطعًا غير موجودة في غيره، وأن الكتاب عبارة عن مدرسة تربوية شاملة في علم الأخلاق والرقائق، وفي نفس الوقت هذه الظاهرة تومئ وتشير إلى أن الكتاب فيه آفات خطيرة أدت إلى هذه المواقف من العلماء، ويجمع هذين الجانبين موقف الفريق الوسط الذي قام بتهذيب الكتاب ودندن حوله، وجعله محور حركته في إيجاد مدرسة تربوية مستخلصة من فوائد كتاب الإحياء.

يقول الإمام ابن الجوزي في مقدمة منهاج القاصدين ومفيد الصادقين: اعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها -أي: كما وجدها وقرأها في الكتب- لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مسموع، وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني: الصلاة يوم السبت، والصلاة يوم الأحد، والصلاة يوم كذا، وكل يوم له صلاة مخصوصة به بلا دليل وبلا حديث صحيح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم- يقول: وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها وليس فيها كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به -يعني جمعه أبو حامد، ورغب الناس: إلى العمل به- ما لا حاصر له، من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد إلى غير ذلك مما قد كتبت عن عواره في كتابي المسمى: بتلبيس إبليس، وسأكتب لك كتابًا يخلو عن مفاسده ولا يخل بفوائده إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

ثم قام الإمام نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي باختصار كتاب ابن الجوزي منهاج القاصدين ومفيد الصادقين، في كتاب سماه: مختصر منهاج القاصدين، وهو معروف ومتداول.

وممن اختصر كتاب الإحياء أيضًا العجلوني ومحمد بن سعيد اليماني، وأحمد بن موسى الموصلي، والسيوطي، والقاسمي في كتابه: موعظة المؤمنين، ثم حققه طائفة وأسموه: تهذيب موعظة المؤمنين، وللشيخ محمود عوض رحمه الله أيضًا مختصر له أسماه: طب القلوب، وللشيخ أبي الحسن الندوي أيضًا مختصر له أسماه: تهذيب الأخلاق، وقد تجاوزت الكتب المؤلفة حول كتاب الإحياء العشرين كتابًا.

ونحن اليوم على أعتاب نهضة قرآنية وصحوة سنية ويقظة سلفية، نتلمس الطريق الذي نرتقي بسلوكه إلى مستوى الجيل الأول، بعيدًا عن مخلفات الغزو الفكري، سواء كان الغزو الحديث أو القديم؛ فالحديث يتمثل في العلمانية والتنصير والاستشراق إلخ، والغزو الفكري القديم المتمثل في الباطنية والفلسفة والكلام والصوفية إلخ.

فما أشد حاجتنا إلى الدراسة المسفرة الواعية لفكر أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، باعتباره رمزًا من رموز المنهج الصوفي، دخل في غمار الفلاسفة والمتكلمين والباطنية، فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم، وما زال يجاهدهم حتى فل شوكتهم وكسرهم، وفرق جموعهم شذر مذر، وفلق هام كثير منهم، غير أنه أصابه في أثناء ذلك شيء من دمائهم، فحاول أن يغسل أثر الدم عنه فما استطاع، فالإمام أبو حامد لم يكن يقصد أن يتبني منهج الفلاسفة أو الباطنية، لكنه دخل يقاتلهم ويقضي عليهم، فأصابه شيء من لوثهم، أو من دمائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت