وأما العبادة، فهي جزء من الحرية الدينية، وليست هي المهمة الأولى للإنسان في نظر العلمانية، والله تعالى يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ، ولا تقيم العلمانية نظامها التربوي والإعلامي على أساس غرس هذا المعنى، في حين أن الإسلام يَعدّ مجرد الإعراض عنه كفرًا به، ومعاداة له, فمجرد الإعراض عن الدين يعتبر طعنًا فيه، وتوليًا عنه.
وكذلك الحياة الاجتماعية والاقتصادية لا تنظم في النظام العلماني طبقًا لمواعيد الصلاة وغيرها من العبادات، ولا توضع هذه الأمور في الاعتبار, والعلمانية تفرق بين السلوك الشخصي وبين السلوك الاجتماعي، فيمكن أن يكون القائد أو الحاكم أو الوزير ملحدًا خبيثًا مجرمًا، وهذا لا يقدح فيه، ولا يقدح في عدالته.
والعلمانية لا ترى المجاهرة بترك العبادات مدعاة للمساءلة، كترك الصلاة أو الصيام أو الزكاة وغير ذلك، فالمهم هو أن يؤدي المرء الضرائب كاملة للدولة، وأما الزكاة فلو شاء أعرض عنها ولا ملامة عليه.
وفي مجال الأخلاق تتبع العلمانية المجتمع والفكر الغربي شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، سواء في علاقة الرجل بالمرأة أو في غير ذلك من الأشياء المعروفة.
فعلى هذا الأساس نقول: إن الشريعة هي العدو الأول للعلمانيين؛ لأنها هي التي تنقل الإسلام من عالم النظرية والمثال إلى دنيا الواقع والتنفيذ، يقول عثمان رضي الله تعالى عنه: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) ، ويتجلى العداء السافر للعلمانية حينما يعارض الإسلام خصائص الحضارة الغربية كتحريم الربا والزنا والسكر، وكتحديد الجزاء على الجرائم بالجلد والقطع ونحوه.
فنلاحظ في هؤلاء العلمانيين أنهم ينظرون إلى الإسلام على أنه عقيدة غريبة خارجة عن ذواتهم, ولا يشعرون بأي حرارة غيرة على الإسلام، ولا يقفون إلا موقف الأعداء، فتجدهم في أي صراع بين الإسلام وأعداء الإسلام ينضمون بلا تفسير إلى أعداء الإسلام، وتجدهم يفصلون الدين عن الدولة كي يسهل عليهم ضربه، وذلك بعد أن يحصروه في ركن ضيق، حتى يستسلم تمامًا للعلمانية.