فهرس الكتاب

الصفحة 1797 من 2122

من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات

واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي: قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالذاكرين الله كثيرًا والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدوًا وعشيًا -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى.

وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.

وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب:35] .

وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحًا ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلًا ونهارًا، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، والله أعلم.

وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة) : لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلًا أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيرًا من غير مواظبة.

وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه) .

وورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) .

وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله عز وجل إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة.

وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلًا ونهارًا، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلًا وإما مكثرًا ومداومًا، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلًا، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات.

وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيرًا، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-) ، فجعل أولهم الذاكر الله كثيرًا، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله عز وجل دعاءه؛ بل يستجيب له.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعًا: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله) .

وصح عنه أيضًا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا) .

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت) ، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت.

وعن الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله عز وجل) .

وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى عليه السلام قام خطيبًا في بني إسرائيل ممتثلًا ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيرًا، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى) .

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه أمر بعض الصحابة رضي الله عنه فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئًا، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) ، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله عز وجل العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله عز وجل: {قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:46] وقوله: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] ، وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:19] ، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة.

يقول الإمام ابن بطّال: معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد.

وعن عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله) ، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت