النتائج التي ترتبت على انتقال السيادة إلى الأمة هي: أولًا: أن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة للأمة، وهي إرادة تعلو إرادات الأفراد، ولذلك تجب الطاعة لها.
ثانيًا: الأمة وحدها هي صاحبة الحق في وضع الدستور أو تعديله دون ما أدنى تدخل من أي هيئة أخرى.
ثالثًا: أن النائب لا يعتبر ممثلًا لدائرته فحسب، ولكنه ممثل للأمة كلها.
أما الانتقادات التي وجهت إلى نظرية سيادة الأمة فهي: أولًا: أن فيها نوعًا من تضييق دائرة الحرية السياسية التي لا تؤدي دورها في ظل هذه النظرية إلا مرة واحدة، وهي المرة التي يتجه فيها الأفراد إلى صناديق الاقتراع، لاختيار الأشخاص الذين سيمارسون مهمة السيادة، وبعدها يتم تجريدهم من كل شيء، فلا يقدرون على ممارسة أي نوع من أنواع الحرية السياسية المباشرة.
والعلة أن هذه الممارسات تجزئ السيادة، والسيادة في ظل هذه النظرية كل لا يتجزأ، أيضًا لا يستطيعون ممارسة شيء من الحرية من خلال الوسائط السياسية الشعبية كالنقابات الطائفية والمهنية ونحو ذلك.
ثانيًا: من عيوبها أيضًا: تضييق دائرة الاقتراع، وهذا من ثمرات القول بأن السيادة كل لا يتجزأ، فبما أن الأفراد الذين يذهبون إلى الانتخاب سينتخبون من سوف يضطلع بمهام السيادة نيابة عنهم لا يمارسون حقًا أو جزءًا من أعمال السيادة؛ لأن السيادة كل لا يتجزأ، لكنهم يؤدون وظيفة من الوظائف، ولما كانت السلطة السيادية هي التي تسند الاختصاص بالوظائف إلى الأفراد، وتعدد لشروطها، فإن لها أن تضع ما تشاء من الشروط أو القيود بما يكفل حسن الاختيار، ويوفر الكفايات المطلوبة.
وقد أدى هذا الوضع من الناحية العملية إلى التمييز بين نوعين من أفراد الأمة: أولهما: الأمة كحقيقة اجتماعية.
الثاني: الصفوة من أفراد الأمة، وهم الذين يؤهلون ويقدرون على ممارسة مهام السيادة نيابة عن الأمة.
وقد أدت الانتقادات التي وجهت نظرية سيادة الأمة إلى طرح جديد يتلافى هذه النقائص، ويحقق مزيدًا من المكاسب، فجاءت نظرية سيادة الشعب، وكانت تمثل تطورًا سياسيًا وقانونيًا بالنسبة لنظرية سيادة الأمة.
والإخوة الذين يدرسون القانون هم القادرون على فهم هذا الكلام، لكن حاولوا فهم ولو العناوين الرئيسية لأجل أن هذا تمهيد للذي سيأتي.
نقطة البداية في نظرية سيادة الشعب أنها تقرر انتقال السيادة إلى الجماعة بوصفها مكونة من عدد من الأفراد، وليس باعتبارها وحدة مستقلة عن الأفراد المكونين لها.
إذًا: السيادة هنا -في نظرية السيادة للشعب- لم تعد كلًا لا يتجزأ، بل أصبحت -وفقًا لهذه النظرية- شركة بين جميع أفراد هذه الجماعة لكل امرئ منها نصيب معلوم، ولذلك نص الدستور الفرنسي في (1793م) على أن السيادة للشعب، وترتب على هذه النظرية الأخذ بمبدأ الاقتراع العام، وتحول الانتخاب من وظيفة إلى حق.
أيضًا: ترتب عليه تعبير النائب عن دائرته الانتخابية باعتباره ممثلًا عن ذلك الجزء من السيادة الذي يملكه ناخبوه، يعني: كل واحد له حق في التعبير، فأصبح الناخب يمثل الدائرة التي انتخبته.
وأيضًا توسيع قاعدة المشاركة الشعبية لإلغاء التمييز بين نوعي المواطنين الذي كان في ظل نظرية سيادة الأمة، بإتاحة الفرصة للمشاركة الشعبية المباشرة للحرية السياسية عن طريق الاستفتاء الشعبي، أو الاعتراض الشعبي، أو طلب إعادة الانتخاب، أو طلب حل الهيئة النيابية ونحو ذلك.
والاتجاهات الدستورية الحديثة ترمي إلى الأخذ بنظرية سيادة الشعب باعتبارها أكثر تحقيقًا للديمقراطية.
إذًا: هذا هو مفهوم نظرية السيادة في الفكر الغربي نشأة وتطورًا وخصائص وآثارًا.