قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: إن الغيبة ذكرك الإنسان بما يكره، سواء ذكرته بلفظك أو في كتابتك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك، وضابطه: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة، وهي: أن يقلده في مشية أو حركة أو في طريقة كلامه، فالمحاكاة كأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا أو على غير ذلك من الهيئات، مريدًا بذلك حكاية هيئة من يتنقصه، فكل ذلك حرام بلا خلاف، وقد يحمل بعض الشباب الترفيه عن أنفسهم على مثل هذه الأشياء، فتجده يقلد شيخًا معينًا أو يقلد خطيبًا في حركته أو طريقة صوته، ويقصد بذلك الاستهزاء، فهذا من الغيبة المحرمة، وهذا في طلبة المدارس والجامعات شائع جدًا، كسخرية الطلبة من أساتذتهم، وهو من سوء الخلق ومن نكران المعروف الذي يسديه إليه أستاذه، حتى الذي يعلمك علمًا دنيويًا له حق عليك، ولا ينبغي الاشتغال بغيبته.
وبعض الناس عندهم هواية نقد الخطباء، فبمجرد أن يخرج من صلاة الجمعة يبدأ في الغيبة، مع أن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، فتكون أول القسيمة غيبة خطيب الجمعة، فيبدأ الأسبوع بالغيبة؛ والمفروض أن صلاة الجمعة تقوي عنده شحنة الإيمان والورع بعد خطبة الجمعة، لأنه سيبدأ يعد نفسه إلى الأسبوع الآتي، فلما يكون العد بادئًا بمصيبة الغيبة، إذًا بعدها بيوم ويومين سيعمل أعظم من ذلك، فالمفروض أن الإنسان بعد صلاة الجمعة يكون في أعلى درجات الاستعداد للاحتراز عن المعاصي؛ لأنه مازال أمامه أسبوع، فينبغي أن يكف الإنسان عن مثل هذا؛ لكن هناك هواية عند بعض الناس وهي النقد وغيبة الخطباء والكلام عليهم بمجرد ما يخرج من الخطبة، فهذا بلا شك مما لا ينبغي.
يقول الإمام النووي رحمه الله: ومن ذلك إذا ذكر مصنف كتاب بعينه غمزة في كتابه قائلًا: قال فلان: كذا، مريدًا تنقصه والشناعة عليه، فهذا حرام، يعني: إذا كان يريد التنقص والتشنيع، لكن إن أراد بيان غلطه وبيان الحق، لا التشنيع، حتى لا يقلد، أو ليبين ضعفه في العلم، حتى لا يغتر به ويقبل قوله؛ فهذا ليس بغيبة، بل نصيحة واجبة يثاب عليها إذا أراد ذلك.
وإذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعة كذا، أو هذا غلط أو خطأ أو جهالة وغفلة ونحو ذلك؛ فليس بغيبة؛ لأن الغيبة ذكر الإنسان بعينه، أو ذكر جماعة معينين.
ومن الغيبة المحرمة قولك: فعل بعض الناس كذا أو بعض الفقهاء أو بعض من يدعي العلم أو بعض المفتين أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو يدعي الزهد، فإذا كان المخاطب الذي تخاطبه يفهم من الذي تقصده فهذه غيبة، وكأنك عينت اسمه، وهذا من الذي تقصده، فهذا من ذكرك لهذا الشخص بما يكره، وإن لم تذكره باسمه، لكونك ذكرت من صفاته ما يجعله متعينًا عند المستمعين.
ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضًا يفهم به كما يفهم بالصريح، فهو يؤدي إلى نفس الغاية، وهي التنقض وذكر المسلم بما يكرهه، فمثلًا يقال لأحدهم: كيف حال فلان؟! فيقول: الله يصلحنا، الله يغفر لنا وله، ربنا يصلحه، نسأل الله العافية، والظاهر أنه يريد الورع والتحرر من الغيبة من عدم التصريح في تنقصه، والظاهر أنه أيضًا يدعو له، لكن في الحقيقة هذه غيبة؛ لأنه يقصد بقوله: ربنا يعافينا، ربنا يكفينا شر الدنيا، ونحو ذلك؛ التنقص لأخيه المسلم.
فينبغي الاحتراز؛ لأن الشيطان يلبس على العباد الذين ليس عندهم علم بهذه الطريقة، فيغتاب بقوله: الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة، الله يعافينا من قلة الحياء.
هو يسأل: كيف فلان؟ ما أخباره؟ فيقول: الله يتوب علينا، وهو ما اغتابه في الظاهر، لكنه يقصد بذلك التنقص، وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقصه، فكل ذلك غيبة محرمة، وكذلك إذا قال: والله كلنا مذنبون وكلنا مقصرون، فهو يريد أن يعمم من أجل أن يخفف الجريمة، لكن بلا شك أنه قد أوصل رسالة في ذم أخيه، وبيان أنه سيئ، ومثله أن يقول: والله نحن كلنا بشر، وكلنا مبتلون كما ابتلي فلان، ويظن أنه عندما يتكلم بهذه الصيغة يخفف من جريمته، أو يقول مثلًا: كلنا نفعل هذا الشيء، وهذه أمثلة، وإلا فضابط الغيبة تفهيمك المخاطب نقص إنسان.