فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 2122

الحديث المتقدم طويل، وهو يحمل فوائد عظيمة، والفقرة المقصودة من قراءة هذا الحديث هي تلك الفقرة التي فيها ذكر ذلك الرجل المشرك الذي هدد بلالًا رضي الله تعالى عنه وقال له: إذا حل أجل الدين ولم يقض ما عليه فسيأخذه بهذا المال الذي عليه، وسيسترقه ويعيده عبدًا يرعى الغنم كما كان من قبل رضي الله تعالى عنه، فهذا من شؤم وعيوب الدين، فينبغي للإنسان أن يتحرز منه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وتعلمون قول النبي عليه الصلاة والسلام: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) أي: أنه لا يغفر له الدين؛ لأن فيه تعلقًا بحقوق العباد، فيكون الشهيد محبوسًا ومرهونًا في البرزخ إذا لم يؤدَّ عنه ذلك الدين.

والبيع بالتقسيط هو في الحقيقة صورة من صور الدين، وقبل أن نبدأ موضوعنا في حكم البيع بالتقسيط ينبغي أن يستقر هذا المفهوم وهو: أنه لا ينبغي التوسع في أمر الاستدانة؛ لأن الاستدانة في حالة الشراء بالتقسيط فيها زيادة في مقابل الأجل كما سنبين إن شاء الله تبارك وتعالى، أضف إلى ذلك أن حجم الدين يجب ألا يتجاوز قدرة المدين على السداد، والدين إذا كان دينًا عامًا كأن تكون الحكومة مثلًا هي المَدْينة، لاسيما إذا كان دينًا عامًا، وطويل الأجل، فإنه شؤم؛ لأنه يحمَّل الأجيال القادمة عبء الجيل الحالي؛ فإنا نورث أبنائنا وأجيالنا المقبلة أعباء هذه الديون، وهذا إذا كان ممولًا بأموال الزكاة أو غيرها من الموارد العامة.

وفي مثل هذه الحالة إذا كان الدين ليس في مقدور المدين ولا في طاقته أن يؤديه، فإنه يكون همًا بالليل، ومذلة بالنهار، وقد تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من المغرم والمأثم، ولما سئل عن سرّ القَرن بين المغرم والمأثم وما علاقة الدين بذلك؟ فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الرجل إذا غرم فإنه يعد فيخلف، فيقع في الإثم، فالدين دائمًا إن لم يكن هناك عذر واضطرار يجلب كثيرًا من هذه المصائب، ولا شك أنه هم بالليل، وذل بالنهار، وكما قال بعض السلف: ما دخل همُّ الدين قلبًا إلا خرج من العقل، يعني: من شدة انشغال تفكيره فإنه يؤثر في عقله.

وهو همٌّ في أوله، وهرم في آخره، وأما إذا كان الدائن مثل حالة البلدان الأجنبية الدائنة، فمن مخاطر الدين في هذه الحال سيطرة هذه البلدان الدائنة، وتبعية البلدان المدينة لها كما لا يخفى على أحد في عصرنا هذا، وفيها من صور إذلال الأمم والشعوب، وقهرها بأمر الدين، واستعبادها بذلك، كما أراد ذلك المشرك من إذلال بلال تمامًا، ولعل هذا المشرك نفسه -وهو حقيق بسوء الظن- إنما دعا بلالًا إلى أن يستدين منه بهذه النية، عسى أن يتعثر السداد، فيسترقه بعد ذلك.

فعلى أي الأحوال فالاستعباد يكون بصور شتى، ولا يكون بصورة الرق فقط، فمحاولة استعباد المدين محاولة قديمة، وهو يدل على الأخلاق الأيدلوجية الفجة أو الباردة كما هو مشهور عنهم، قال بعضهم: لا تقرض أبدًا ولا تقترض، فإنك إذا اقترضت من رجل جعلته سيدك، وإذا أقرضت رجلًا جعلته عدوك.

والشاهد من الكلام: أن الأصل الذي نقدمه بين يدي الكلام في موضوع البيع بالتقسيط هو أن الاستدانة غير مرغوب فيها، فهناك مخاطر شديدة في التوسع في أمر الاستدانة، والبيع بالتقسيط هو صورة من صور الاستدانة، فينبغي للإنسان ألا يستدين، وألا يشتري بالتقسيط إلا لعذر قوي في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت