يكره طروق الأهل ليلًا لمن جاء من سفر، فإذا كان الرجل مسافرًا سفرًا بعيدًا، فلا يأتي أهله فجأة دون أن يكون قد أخبرهم من قبل، فإن كان ولا بد آتيًا فليبت في المسجد، أو في مكان آخر، ولا يفاجئهم في الليل، فعن جابر رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يأتي الرجل أهله طروقًا) ، والطروق: هو المجيء بالليل من سفر أو من غيره على غفلة، يقال لكل آت بالليل: طارق، وأصل الطروق: الدق والضرب، وبذلك سميت الطريق؛ لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقًا؛ لأنه غالبًا يحتاج إلى دق الباب.
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلًا) .
وعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشيًا) .
وعن جابر رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم أو يطلب عثراتهم) .
ففي هذا الحديث نص على بعض الحكمة من ذلك، فربما كان مجيء الرجل على أهله بهذه الطريقة المفاجأة، وبدون سابق إعلام يدخل في نفس أهله أنه يشك فيهم، وقد يوقع في قلب زوجته أنه يسيء بها الظن.
وأسوأ ما يفسد العلاقات -سواء بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء- المعاملة التي فيها تخوين، أو سوء ظن أو شك، خاصة أن بعض الناس يكون عندهم نوع من الوساوس الخطيرة في هذا المجال، فيعيش في ضنك، ويعيش الناس معه أيضًا في ضنك وفي عذاب، فهذه الأشياء لم يتجاهلها الشرع الشريف، وهذه إحدى الحكم من هذا الأمر، حتى الأبناء ينبغي للإنسان أن يتعامل معهم بثقة، فلا تعامل الابن دائمًا على أنه متهم، وتمسكه وتفتش ثيابه، وتنظر ماذا عمل، فإن زرع عدم الثقة في نفسه قد يجعل عنده رغبة في التحدي، وأنه سيعمل ما يشاء ولن تقدر على معرفة ذلك، وهذا نوع من الصراع الداخلي ينشأ من هذا الأسلوب التربوي الذي لا داعي له؛ لأنه إذا لم يكن له سبب مبرر فلا داعي أن تلقي في روع الناس أنك تشك فيهم؛ ولذلك راعت الشريعة هذا المعنى.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم) ، فتتبع العورات، والتشكك في الناس، والمعاملة على أساس الريبة؛ هذه هي التي تأتي بالفساد، والمطلوب هو العكس، فمن المفروض أن تزرع في أبنائك أنك تثق فيهم، وأنك تحترمهم، وغير ذلك، مما يزرع الثقة فيهم، وبالتالي يسمو لأن يكون على هذا المستوى من الثقة وأنه يستحقها بخلاف العكس.
يقول الحافظ ابن حجر في حديث جابر: قوله: (إذا أطال أحدكم الغيبة) يشير إلى أن علة النهي إنما توجه حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلًا نهارًا ويرجع ليلًا، لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة؛ كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع الذي يهجم بعد طول الغيبة غالبًا على ما يكره.
أي: أن الشخص الذي يخالف هذا الأمر الشرعي، ويأتي بعد طول الغيبة بدون سابق إنذار أو إعلام غالبًا ما يلقى ما يكرهه، يقول: إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله لـ جابر حين قدم معه من سفر: (إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة) ، وفي رواية أنه قال: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا -يعني: عشاء-؛ حتى تستحد المغيبة) أي: حتى تدخل ليلًا، والمقصود به في أول الليل، والنهي يكون عن الطروق في وسط الليل، أما لو أتى في أول الليل فإنه لا يدخل في النهي، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: (إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أول الليل) ، فالذي يخالف هذا الهدي النبوي غالبًا ما يقع على ما يكره، إما أن يرى زوجته غير متأهبة لذلك، وإما أن يرى منها ما يحدث النفرة بينهما.
يقول الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة؛ لئلا يطلع منها على ما يكون سببًا لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: (أن يتخونهم ويتطلب عثراتهم) ، فعلى هذا من علم أهله بوصوله، وأنه سيقدم في وقت كذا -مثلًا- فلا يتناوله هذا النهي، وإنما النهي فيمن يأتي بغتة في وسط الليل، أو في آخره، ففي حديث ابن عمر قال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة فقال: لا تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون) أي: يخبر أهل البيوت أن هذا الجيش قادم.
قال ابن أبي جمرة: فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث.