يتساءل الكبار عن ميولات أبنائهم الاجتماعية بعد سن الطفولة ومقاربتهم للبلوغ: لماذا يزهد المراهق في التأسي بالكبار، ويرفض سلطتهم ظاهرًا أو باطنًا؟ ولماذا ينقاد لرفاقه وأصحابه وينصرف إليهم في مشاعره وتوجهاته؟ لماذا يلجأ إلى جماعة الرفاق في تحديد ميوله وهواياته، وفي تحديد شكل ملابسه وهندامه، وفي كيفية قضاء وقت فراغه؟ هل يحتاج المراهق فعلًا إلى الرفقة أو الجماعة بحيث لا يمكن الاستغناء عنهم كضرورة صحية وتربوية؟ وما دور هذه الرفقة في نمو شخصية المراهق؟ ولماذا يغترب مع رفقته وينزوي عن المجتمع، وتظهر عليه أعراض الجنوح أحيانًا؟ هل يحتاج المراهق إلى التقدير والاحترام من قبل والديه ورفقته ومجتمعه أم لا؟ هل يطمح المراهق إلى تحقيق ذاته وتطلعاته بثقة الآخرين به، واعتمادهم عليه، وتحميلهم إياه العمل والمسئولية؟ وما دور هذه الأشياء في صحته النفسية وفي نمو شخصيته؟ لماذا يمقت بعض المراهقين مجتمع الكبار، ويثورون عليه، ويخرجون على أعرافه؟ لماذا يوجدون أعرافًا خاصة بهم في التعامل والتخاطب؟ تجد الشلة يسموها بالإنجليزية (ميني سوسياتك) أي: مجتمع مصغر؛ لأنه يكون معهم لساعات، حتى أننا نلحظ لغة خاصة بهم هم؛ واصطلاحات تدور فيما بينهم في هذا المجتمع المغلق الذي يشبه حارة اليهود، لهم رموزهم وقوانينهم وأعرافهم، وقد يهددون الواحد منهم لو ترك الشلة بعقاب جماعي ويقاطعون، خاصة بالذات في المجتمعات التي هي بعيدة عن الملتزمين؛ فلهم أعراف في التعامل والتخاطب وأنماط الملابس التي يلبسونها والاهتمامات والهوايات.
جواب هذه الأسئلة كله يفسر لنا سمات وخصائص النمو الاجتماعي للمراهق.
يعيش المراهق في حالة تبدل عضوي ومعرفي وانفعالي سريع ومتتابع، ولا شك أن هذا النمو يقربه من الرجولة والنضج، أو يقربه من مجتمع الكبار ويبعده عن مجتمع الأطفال، وهذا واضح في التحولات التي تطرأ على القدرات العقلية التي تؤهله للفهم للمحاكمة العقلية تساعده على إدراك الأشياء كما هي في الواقع تساعده في القدرة على البحث والنقاش وإدراك وجهات نظر الآخرين.
أيضًا التغيرات العضوية كالزيادة في الطول والوزن، كل هذه التغيرات تؤذن ببداية الرجولة والاكتمال، لكن كثيرًا من الكبار يرفضون ذلك، أو لا يأبهون به، أو يصادمونه، وهذا التصرف من الكبار يسيئ إلى المراهق، ويؤدي به إلى خيبة الأمل والشك، أو يؤدي به إلى المعاندة ونبذ سلطة الكبار، والارتماء في أحضان الرفقة، وإلى ضعف الارتباط بالكبار، وعدم الاعتراف بأعراف الكبار ونظمهم، وإلى الثورة عليها ومحاربتها باطنًا أو ظاهرًا.
أيضًا من خصائص هذه الفترة: المشاعر الجماعية، فيشعر بأنه يريد كهفًا يأوي إليه، لأنه لا يفهمه أحد في البيت؛ ويعاملونه كطفل، وهذا كله سببه عدم فهم خصائص هذه المرحلة، وعدم وجود سياسة تربوية واضحة المعالم في طريقة التعامل معه، فلديه إحساس وتعطش للانتئماء إلى رفقة أو صحبة أو مجموعة تشاركه مشاعره تعيش مرحلته يبث إليها آلامه وآماله وأفراحه وأتراحه وتبث إليه ذلك، هذه الرفقة أو المجموعة تعنى بأحاسيسه ومطالبه وتعمل لإشباعها، وقد تنجح وقد تخفق، وهذه الرفقة أحيانًا تخلص لبعضها حتى لو في سبيل الشر، وتقوم على التعاون والتكامل حتى ولو على الإثم والعدوان؛ لأنهم يظنون أن بعضهم يخدم بعضًا، وأن هذا من الوفاء للأصدقاء وغير ذلك.
لا يستغني معظم المراهقين عن هذه الرفقة لأنها مطلب حيوي، وحاجة نفسية ملحة تقتضيها التغيرات الفجائية والتحولات الجديدة غير المعللة، ولذلك قد يحاصر الأب ابنه محاصرة شديدة، وهو يظن أنه يحميه، وبالتالي يحرمه تمامًا من الاحتكاك بأي إنسان، وفي بعض هذه الحالات- يقول له الأب: لا توجد حاجة إلى صديق، فيعزله تمامًا عن الرفقة، وبالتالي يحرمه من النمو الاجتماعي الطبيعي؛ لأن مفهوم إيجاد البديل والرفقة الصالحة غائب، والحديث معروف: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء) إلى آخر الحديث، فلا بد من إيجاد هذه الرفقة من خلال المساجد؛ لأنها لم تعد ممكنة من خلال الأندية الاجتماعية -كما يقولون- فقد أصبحت بؤر فساد وانحراف؛ فلا بد من وجود البدائل، وليس الحل هو حرمانه من الانخراط في أقرانه أو مجموعة السن الموافقة له، فهذه من الأمور المهمة جدًا.
إذًا: تقوم الشلة أو المجموعة على التعاون والتكامل، ولا يستغني معظم المراهقين عن هذه الرفقة؛ لأنها مطلب حيوي وحاجة نفسية ملحة تقتضيها التغيرات الفجائية والتحولات الجديدة غير المعللة، التي لا يجد المراهق الجواب عليها في حال عزلته وانزوائه، ولا يحسن التعامل معها كما يرى بمفرده، فيلجأ إلى رفاقه أو أصحابه في مرحلته ومن أبناء سنه؛ لأنه يحقق ذاته مع أصحابه، فمشاكلهم واحدة ومفاهيمهم واحدة وخصائصهم واحدة، يحقق ذاته معهم، وهم قد يتعاملون مع بعض كأنهم رجال؛ بخلاف ما يلقى من معاملة في البيت، لذلك تجد ولاءه للشلة أقوى بكثير من ولائه للبيت، والوقت الذي يقضيه معهم يكون أكثر مما كان يقضيه من قبل في المنزل.
من الأشياء المهمة أيضًا: خصوصيات المراهق، فهو لا يرى أنه كالكبار تمامًا بالذات والديه؛ لأنه يرى فرقًا كبيرًا في السن بينه وبين والديه، لكنه يتجه إلى أساليب مختلفة تقل أو تكثر في نمط هندامه في أسلوب حياته في موضوعات اهتمامه في كيفية قضاء وقت الفراغ، ولذلك هو حساس إذا قورن بكبار السن في هذا الجانب، ولا ينتبه له كثير من الكبار.
موضوع تحقيق الذات شيء يسعى إليه كل إنسان حتى الطفل؛ لكن كل مرحلة تقوم بما يناسبها، وتجتمع كلها في مفهوم واحد، هو: أن الإنسان يقوم بالوظائف الملائمة لقدراته واستعدادته، ويمارس الأدوار المناسبة له والمتوقعة منه.
هذا المراهق يعيش مرحلة انتقال من الصبا إلى الرجولة، بالتالي يتغير موقعه ووظيفته في الأسرة أو في المجتمع من حيث طبيعتها ومستواها ومقدارها.
والمراهق يبتغي تحقيق ذاته، واختبار قدراته، وتفريغ طاقاته، وهو يريد أن يبلو نفسه بممارسة الدور الاجتماعي، والقيام بالمسئولية، ومرحلته ومستوى نضجه يقتضيان رفض البطالة، ويرفض الهامشية الاجتماعية، وهذه الهامشية والبطالة أيضًا قد يفرضهما عليه الكبار أحيانًا، بل إن كثيرًا من المراهقين يمقتون التبعية، ويكرهون أن يكونوا عالة على غيرهم، هذا شعور فطري يولد فيه كره أن يكون عالة على غيره، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، وهم يسخرون داخل أنفسهم من هذا الأسلوب في التعامل، كما أن مشاعر اللوم ومقت النفس تراودهم وهم يرون أنفسهم تبعًا للكبار وعالة عليهم، بينما قد يموت هذا الإحساس أو يضعف إذا لم يستغل في حينه بتوجيهه الوجهة الصحيحة، واستثماره في تربية المراهق وتهذيبه.
كل خصيصة من الخصائص التي نذكرها قابلة لحسن التوجيه، وقابلة لسوء الاستعمال، فالحاجة إلى تحقيق الذات مطلب نفسي مهم للمراهق، وتحقيق الذات ممكن أن يتم بأمور كثيرة، المهم أن يكون له دور في الحياة، حتى لو كان طالبًا يدرس فهذا دوره في الحياة اقتنع به ويبذل في سبيله.
فهذا الشعور بالحرص والحاجة إلى تحقيق الذات مطلب نفسي مهم للمراهق ينبع من داخل نفسه، وينبع من أحاسيسه وهواجسه ومشاعره المدعومة، هذه المشاعر إنما يدعمها التحولات، فهناك تحولات عقلية معرفية عضوية انفعالية يمر بها جسده وعقله وانفعالاته، وهو لا يحس بالتنفيس عنها إلا إذا قام بالدور الاجتماعي المناسب، وتحمل المسئولية حسب مؤهلاته وقدراته وطاقاته، والمجتمع الحديث غالبًا ما يواجه هذا الميل إلى الاستقلالية، أو إلى رفض البطالة ونبذ الهامشية الاجتماعية بنكران شديد وإهمال بالغ، وغالبًا ما تكون مشاعر ومواقف الكبار غالبًا والأمهات والمدرسين والإخوة الكبار مخيبة لآمال المراهقين قولًا وعملًا، فهم لا يأبهون بأن يحقق المراهق ذاته من خلال استغلال طاقاته، ومنحه للمسئولية، وعزو الوظائف المناسبة له، بل إن الكبار أحيانًا يسخرون من المراهقين ويحتقرونهم أن يقوموا بمثل ذلك.
ويتجه بعض الكبار إلى عدم الثقة بهم، وعدم الاطمئنان إلى ما يتولونه من الأعمال، ويشعرونهم بذلك بطرق مباشرة وجهًا لوجه، وبطرق غير مباشرة من خلال عزلهم عن ممارسة الأدوار المناسبة، ومنعهم من تحمل المسئولية، وصرفهم إلى أعمال هامشية أو تكميلية أو ترفيهية، ويقوم الأعم والأغلب من الآباء بتوجيه أبنائهم إلى الدراسة وتفريغهم لذلك، والاستغناء بذلك عن توظيفهم، أو تكليفهم بأعمال أو مهمات تحقق ذاتيتهم، وتشعرهم بالمسئولية وبشيء من الاستقلالية، وتبرز شخصياتهم، وتصقل قدراتهم الاجتماعية.
أما النظام الاجتماعي الحديث فتطول فيه فترة الطفولة والاعتماد على الغير، حيث لا ينتهي الفرد من التعليم العام إلا في سن الثامنة عشرة، ثم عليه أن يستمر في الجامعة إلى الثالثة والعشرين مثلًا، وهو في كل ذلك مستقبل فقط؛ فهذه السياسة لا شك أنها تتصادم مع متطلبات تلك المرحلة واحتياجاتها الطبيعية، وقد تؤدي إلى كثير من المشكلات، أو إهدار الطاقات، وتعطيل الحاجات.
فالإسلام عامل المراهق على أنه مسئول عن التكاليف الشرعية بمجرد البلوغ، وحمله المسئولية عن نفسه في العبادات في المعاملات في التصرفات المختلفة؛ وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأذن بالجهاد في سبيل الله لمن بلغ الحلم من الفتيان وهو من أشق المهام وأصعب الوظائف.