قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحصاها) يحتمل وجوهًا: الأول: أن يعدها حتى يستوفيها حفظًا، ويذكر ربه بها، ويثني عليه بجميعها، كقوله تعالى: {وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن:28] .
واستدل له الخطابي بقوله صلى الله عليه وسلم-كما في الرواية الأخرى-: (من حفظها دخل الجنة) ، وقال البخاري وغيره من المحققين معناه: حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصًا في الخبر، فقوله: (من أحصاها) فسرها قوله في الروايات الأخرى: (من حفظها دخل الجنة) ، ولذلك قال ابن الجوزي: إن المراد بالإحصاء العد.
يعني: من عدها ليستوفيها حفظًا.
وإن كان كلمة: (حفظها) لا يلزم منها تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل أيضًا الحفظ المعنوي كقوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك) .
وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العلم بها.
القول الثاني: أن المراد بالإحصاء: الإطاقة، كقوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل:20] ، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصو) ، أي: لن تبلغوا كل الاستقامة، فيكون المعنى: (من أحصاها) من أطاق الأسماء الحسنى، وأحسن مراعاته لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال مثلًا: يا رحمان! يا رحيم! تذكر صفة الرحمة، واعتقد أنها من صفات الله سبحانه، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، فإذا قال: السميع البصير، علم أنه يراه ويسمعه، وأنه لا تخفى عليه خافية، فيخافه في سره وعلنه، وفي كافة أحواله.
وإذا قال: الرزاق، اعتقد أنه المتكفل برزقه، يسوقه إليه في وقته؛ فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له سواه إلى آخره.
وقال أبو عمر الطلمنكي: من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: المعرفة بالأسماء والصفات، وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًاَ بمعاني الأسماء، ولا مستفيدًا بذكر ما تدل عليه من المعاني.
القول الثالث: أن الإحصاء بمعنى: العقل والمعرفة، فيكون معناه: من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة، وهي العقلة، والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل ومعرفة بالأمور.
قال القرطبي: المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، وهذه المراتب الثلاثة هي للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين.
القول الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي في هذه الأسماء كلها في أثناء التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة.
والمراد: أن بعض العلماء قالوا: (من أحصاها دخل الجنة) أي: من حفظ القرآن دخل الجنة؛ لأن إحصاء الأسماء الحسنى يكون عن طريق قراءة القرآن كله.
والجواب على هذا: إن بعض الأسماء الواردة هي موجودة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أسماء زائدة عن القرآن.