فهرس الكتاب

الصفحة 1062 من 6876

حيّ العمود ومن بعقوته [1] ... وقفا العمود وإن جلا أهله [2]

قال: فاستحسن الشاميّ غناءه، وقال له: زدني؛ فقال: أو ما يكفيك ما سمعت؟ قال: لا واللّه ما يكفيني.

قال: فإنّ لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما. قال: اختر أيّهما شئت؛ فاختار أحدهما. فقال الشاميّ: هو لك؛ فقبله الدّلال، ثم غنّاه:

دعتني دواع من أريّا فهيّجت ... هوى كان قدما من فؤاد طروب

لعلّ زمانا قد مضى أن يعود لي ... فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي

سبتني أريّا يوم نعف محسّر [3] ... بوجه جميل للقلوب سلوب

فقال له الشاميّ: أحسنت! ثم قال له: أيها الرجل الجميل، إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: أريد وصيفة ولدت في حجر صالح، ونشأت في خير، جميلة الوجه مجدولة، وضيئة، جعدة [4] ، في بياض مشربة حمرة، حسنة القامة، سبطة [5] ، أسيلة الخدّ،/ عذبة اللسان، لها شكل ودلّ، تملأ العين والنفس. فقال له الدّلال:

قد أصبتها لك، فما لي عليك إن دللتك؟ قال: غلامي هذا. قال: إذا رأيتها وقبلتها [6] فالغلام لي؟ قال نعم. فأتى امرأة كنى عن اسمها، فقال لها: جعلت فداك! إنّه نزل بقربي رجل من أهل الشأم من قوّاد هشام له ظرف وسخاء، وجاءني زائرا فأكرمته، ورأيت معه غلامين كأنّهما الشمس الطالعة والقمر المنير والكواكب الزاهرة، ما وقعت عيني على مثلهما ولا ينطلق لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما والآخر عنده؛ وإن لم يصل إليّ فنفسي خارجة. قالت:

فتريد ماذا؟ قال: طلب منّي وصيفة يشتريها على صفة لا أعلمها في أحد إلّا في فلانة بنتك، فهل لك أن تريها له؟

قالت: وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها؟ قال: فإنّي قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع. قالت:

فشأنك ولا يعلم/ أحد بذلك. فمضى الدلال فجاء الشاميّ معه. فلمّا صار إلى المرأة أدخلته، فإذا هو بحجلة [7] وفيها امرأة على سرير مشرف برزة جميلة، فوضع له كرسيّ فجلس. فقالت له: أمن العرب أنت؟ قال نعم. قالت:

من أيّهم؟ قال: من خزاعة. قالت: مرحبا بك وأهلا، أيّ شيء طلبت؟ فوصف الصفة؛ فقالت: أصبتها، وأصغت [8] إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت؛ فنظرت إليها المرأة فقالت لها: أي حبيبتي، اخرجي؛ فخرجت وصيفة ما رأى الرّاءون مثلها. فقالت لها: أقبلي فأقبلت، ثم قالت لها: أدبري، فأدبرت تملأ العين والنفس؛ فما بقي منها شيء إلّا وضع يده عليه. فقالت: أتحبّ أن نؤزّرها لك؟ قال نعم. قالت: أي حبيبتي ائتزري، فضمّها الإزار وظهرت محاسنها الخفيّة، وضرب بيده على عجيزتها وصدرها. ثم قالت: أتحبّ أن

[1] العقوة: الاسحة.

[2] كذا في جميع الأصول. وفيه إقواء.

[3] النعف: المرتفع من الأرض في اعتراض. وقيل: ما انحذر عن السفح وغلظ وكان فيه صعود وهبوط. (و محسر بالضم فالفتح وكسر السين المشدّدة) : موضع بين مكة وعرفة، وقيل: بين منى وعرفة، وقيل: بين منى والمزدلفة.

[4] الجعدة: التي في شعرها جعودة.

[5] كذا في أكثر الأصول؛ يقال: غلام سبط الجسم أي حسن القدّ لطيفه. وفيء، ط: «شاطّة» أي حسنة القوام في اعتدال.

[6] كذا في: ح. وفي سائر الأصول: «قلبتها» .

[7] الحجلة: بيت يزين بالثياب والأسرّة والستور.

[8] أي مالت إليها برأسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت