فقال لي: مالك أخزاك اللّه! من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبناها [1] حتى وقف الراعي وما معه منها شيء.
وحدّثنا بهذا الخبر أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه:
أن ابن هرمة كان اشترى غنما للربح [2] ، فلقيه رجل فقال له: ألست القائل:
لا غنمي مدّ في الحياة لها ... إلا لدرك القرى ولا إبلي
قال: نعم؛ قال: فو اللّه إني لأحسبك تدفع عن هذه الغنم المكروه بنفسك، وإنك لكاذب؛ فأحفظه [ذلك] [3] فصاح: من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبها الناس جميعا؛ وكان ابن هرمة أحد البخلاء.
أوّل شعر قاله ابن هرمة:
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني نوفل بن ميمون قال حدّثني زفر بن محمد [4] الفهري: أن هذه القصيدة أول شعر قاله ابن هرمة.
سمع مزيد بيتا له في الفخر فتهكم به:
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال قرأت على أبي: حدّثنا عبد اللّه بن الوليد الأزديّ قال حدّثني جعفر بن محمد بن زيد بن عليّ بن الحسين [5] قال:
سمع مزبد [6] قول ابن هرمة:
/لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلّا قريبة الأجل
قال: صدق ابن الخبيثة، إنّما كان يشتري الشاة للأضحى فيذبحها من ساعته.
ذهب إليه قوم من قريش للعبث به فكان بينهم حوار ظريف:
أخبرنا وكيع قال حدّثنا حمّاد عن أبيه [عن عبد اللّه بن الوليد عن جعفر بن محمد بن زيد عن أبيه] [7] قال:
اجتمع قوم من قريش أنا فيهم، فأحببنا أن نأتي ابن هرّمة فنعبث به، فتزوّدنا زادا كثيرا ثم أتيناه لنقيم عنده، فلما انتهينا إليه خرج إلينا فقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: سمعنا شعرك فدعانا إليك لما سمعناك قلت:
/إنّ امرأ جعل الطريق لبيته ... طنبا [8] وأنكر حقّه للئيم
[1] كذا في ح. وفي ط، ء: «فانتهبنا» . وفي سائر الأصول: «فانتهبناها له ... » .
[2] كذا في ح، ط، ء. وفي سائر الأصول: «للذبح» ، وهو تحريف.
[3] زيادة عن ط، ء.
[4] في ط، ء: «زفر بن الحارث الفهري» .
[5] كذا في ط، ء وهو الموافق لما جاء في كتاب «المعارف» لابن قتيبة (ص 111 طبع أوروبا) . وفي سائر الأصول: «الحسن» .
[6] كذا في ط، ء وكتاب «البخلاء» للجاحظ (ص 9 طبع أوروبا) و «عيون الأخبار» طبع دار الكتب المصرية (انظر مقدّمته ص م حاشية رقم 3) . وفي «شرح القاموس» (مادة زبد) : مزبد كمحدث اسم رجل صاحب «النوادر» ، وضبط كمعظم، ووجد بخط الذهبي ساكن الزاي مكسور العين. (باختصار) . وفي سائر الأصول: «مزيد» بالياء المثناة التحتية، وهو تصحيف.
[7] التكملة عن ط، ء.
[8] الطنب (بضم النون وتسكينها) : حبل الخباء والسرادق ونحوهما، وقد يستعار للطرف والناحية. فلعله يريد أنه أقام بيته على الطريق فكانت الطريق طرفا له. وفي الحديث: «ما بين طنبي المدينة أحوج مني إليها» أي ما بين طرفيها. وفي ح:
«ضرب الطريق ... ... طزقا ...
إلخ».