فهرس الكتاب

الصفحة 1350 من 6876

وأنه أقدر على الصنعة منهم؟ قال: أقول: إنه جاهل أحمق؛ قال: فأنت تزعم أنه قد كانت بقيت عليهم أشياء لم يهتدوا لها ولم يحسنوها، فتنبّهت عليها أنت وتممتها وحسّنتها بجندرتك؛ قال: فضحك المعتصم وبقي إبراهيم واجما مطرقا، ولم ينتفع بنفسه بقيّة يومه؛ وما سمعته أنا ولا غيري بعد ذلك اليوم يتبجّح بغناء يصلحه من غناء المتقدّمين، حتى يطنب في صنعته ويشتهى استماعه منه، كما كان يدّعي قديما. قال: وكان حمدون يقول: كان إبراهيم يأكل المغنّين أكلا، حتى يحضر إسحاق، فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته؛ وكان إسحاق آفته، كما أنّ لكل شيء آفة.

غنى المأمون بشعر ذي الرمة فأجازه:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:

خرجت يوما من داري وأنا مخمور أتنسّم الهواء، فمررت برجل ينشد رجلا معه لذي الرّمّة:

صوت

ألم تعلمي يا ميّ أنّي وبيننا ... مهاو لطرف العين فيهنّ مطرح [1]

ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن [2] ... أمام المطايا تشرئبّ وتسنح

من المؤلفات الرمل أدماء [3] حرّة ... شعاع الضّحى في متنها يتوضّح

/ هي الشّبه أعطافا وجيدا ومقلة ... وميّة منها بعد أبهى وأملح

كأن البرى [4] والعاج عيجت متونه ... على عشر نهّى [5] به السيل أبطح

لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ميّ فللموت أروح

فأعجبني، فصنعت فيه لحنا غنّيت به المأمون، فأخذت به منه مائة ألف درهم. لحن إسحاق في هذه الأبيات أوّل مطلق في مجرى البنصر.

[1] مهاو: جمع مهواة وهي ما بين الجبلين. يريد الشاعر أن يصفها بأنها مهاو بعيدة يسرح فيها البصر فلا يرده شيء.

[2] أم شادن: كنية الظبية، والشادن: ولدها الذي قد قوي وطلع قرناه واستغنى عن أمه. ويقال: ظبية مشدن أي ذات شادن يتبعها.

وتشرئب: ترفع رأسها لتنظر، وكل رافع رأسه مشرئب. وفي ب، ح: «تستريب» وهو تحريف. وتسنح: تعرض، وقيل: تسنح:

تأتي عن شمالك.

[3] كذا في س، و «ديوان ذي الرمة» (ص 80) طبع كلية كمبردج. ويروى «من الآلفات الرمل» ، يقال: آلف المكان وألفه. وفي سائر الأصول: «المولعات» . ويروى: من الموطنات. والأدماء: واحدة الأدم، وهي - كما قال الأصمعيّ -: الظباء البيض تعلوهن جدد فيهن غبرة، فإن كانت خالصة البياض فهي الآرام. وحرة: كريمة. ويتوضح: يبرق.

[4] البرى: الخلاخيل، الواحدة برة، وكل حلقة تسميها العرب برة. والعاج: أسورة تتخذها نساء العرب من العاج، وعيجت: لويت.

والعشر: شجر ناعم لين مستو. شبه ساعديها وساقيها بشجر العشر في الاستواء واللين.

[5] كذا في ح و «ديوانه» ووردت مصححة بخط الأستاذ الشنقيطي أيضا. ونهى الشي ء: أبلغه وأوصله، ونهاه: بلغ نهايته (بالتضعيف فيهما) ، وهذا المعنى غير مراد. وفي سائر الأصول: «تهمى» وهو تحريف. والأبطح: بطن الوادي. ومرجع الضمير في «به» شجر العشر مرادا به مكانه الذي ينبت فيه. وعدّي «نهى» بالباء لأنه ضمن معنى «حبس» ، أي إن بطن الوادي حمل السيل وأبلغه للمكان الذي ينبت فيه شجر العشر وحبسه به فهو لذلك ريان ممتلى ء. (انظر نسخة مخطوطة من «ديوان ذي الرمة» بشرح الأعلم الشنتمري محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1840 أدب ص 43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت