فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
دس إليه أبو أحمد بن الرشيد غلامين على أنهما لأحد وجوه خراسان مع هدية ليعلمهما، وقصة ذلك أمام الواثق:
حدّثني يحيى بن محمد الطّاهريّ قال حدّثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد قال:
اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد، واشترى رفيقي محموما [1] ، فدفعنا إلى وكيل له أعجميّ خراسانيّ، وقال له: انحدر بهذين الغلامين إلى بغداد إلى إسحاق الموصليّ؛ ودفع إليه مائة ألف درهم، وشهريّا [2] بسرجه ولجامه، وثلاثة أدراج [3] من فضّة/ مملوءة طيبا، وسبعة تخوت [4] من بزّ خراسانيّ، وعشرة أسفاط [5] من بزّ مصر، وخمسة تخوت وشي كوفيّ، وخمسة تخوت خزّ سوسيّ، وثلاثين ألف درهم للنفقة؛ وقال للرسول: عرّف إسحاق أنّ هذين الغلامين لرجل من وجوه أهل خراسان، وجّه بهما إليه ليتفضّل ويعلّمهما أصواتا اختارها، وكتبها له في درج [6] ، وقال له: كلما علّمهما صوتا ادفع إليه ألف درهم، حتى يتعلّما بها مائة صوت، فإذا علّمهما الصوتين اللذين بعد المائة فادفع إليه الشّهريّ، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه بكل صوت درجا من/ الأدراج، ثم لكل صوت بعد ذلك تختا أو سفطا، حتى ينفد ما بعثت به معك؛ ففعل، وانحدرنا إلى بغداد، فأتينا إسحاق، وغنّينا بحضرته، وبلّغه الوكيل الرسالة؛ فلم يزل يلقى علينا الأصوات حتى أخذناها كل أمرنا سيّدنا.
ثم سرنا [7] إلى سرّ من رأى، فدخلنا إليه وغنّيناه جميع ما أخذناه فسرّه ذلك. وقدم إسحاق سرّ من رأى، ولقيه مولانا، فدعا بنا وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه، فلا تسلّما عليه ولا توهماه أنكما رأيتماه قطّ، وألبسنا أقبية خراسانية ومضينا معه؛ فلمّا دخلنا على الواثق قال له: يا سيّدي، هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنّيان بالفارسيّة؛ فقال: غنّيا، فضربنا ضربا فارسيّا وغنّينا غناء فهليذيّا؛ فطرب الواثق وقال: أحسنتما، فهل تغنّيان بالعربية؟ قلنا: نعم، واندفعنا نغنّي ما أخذناه عن إسحاق/ وهو ينظر إلينا ونحن نتغافل عنه، حتى غنّينا أصواتا من غنائه؛ فقام إسحاق ثم قال للواثق: وحياتك يا سيّدي وبيعتك، وإلّا كلّ ملك لي صدقة وكل مملوك لي حرّ إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي ومن قصّتهما كيت وكيت؛ فقال له أبو أحمد: ما أدري ما تقول! هذان اشتريتهما من رجل نخّاس خراسانيّ؛ فقال له: بلغ ولعك [8] إليّ! ونخّاس خراسانيّ من أين يحسن [أن] يختار مثل تلك الأغاني!؛ فضحك أبو أحمد ثم قال: صدق، أنا احتلت عليه، ولو رمت أن يعلّمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بعشرة أضعاف ما أعطيته لما فعل؛ فقال له إسحاق: قد تمّت عليّ حيلته. وقال أبو أحمد للواثق: إن أردتهما فخذهما؛ فقال: لا أفجعك بهما يا عمّ، ولكن لا تمنعني حضورهما؛ فقال له: قد بذلت
[1] في ح: «بجمجما» .
[2] الشهرية (بالكسر) : ضرب من البراذين وهو بين البرذون والمقرف من الخيل، وفي الأساس: «بين الرمكة والفرس العتيق» .
والرمكة: البرذونة، والجمع الشهارى.
[3] الأدراج: جمع درج (بالضم) وهو سفيط صغير تدخر فيه المرأة طيبها وأداتها، ويجمع أيضا على درجة (بكسر ففتح) .
[4] التخت: وعاء تصان فيه الثياب، فارسيّ، وقد تكلمت به العرب.
[5] أسفاط: جمع سفط (بالتحريك) وهو ما يعبى فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء، وقيل: هو كالجوالق أو كالقفة.
[6] الدرج (بالفتح وبالتحريك) : الذي يكتب فيه، يقال: أنفذته في درج الكتاب أي في طيه. وهو يطلق على الصحيفة من أي نوع ومن أي مقياس. وقد فصل القلقشندي في «صبح الأعشى» (ج 6 ص 189 - 196) مقادير قطع الورق وما يناسب كل مقدار منها من الأقلام ومقادير البياض في أوّل الدرج وحاشيته وبعد ما بين السطور في الكتابات فارجع إليه.
[7] في أ، ء، م: «ثم سرنا ثم دخلنا إلى سرّ من رأى» .
[8] الولع: الكذب.