فهرس الكتاب

الصفحة 1353 من 6876

لا يكني؛ فداخلني ما لم أملك نفسي معه؛ فقلت له: أنت تشتمني، وأنا لا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولو لا ذلك لكنت أقول لك: يابن الزّانية؛ أو ترى أنّي كنت لا أحسن أن أقول لك: يابن الزانية؛ ولكن قولي في ذمّك ينصرف جميعه إلى خالك الأعلم [1] ، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه - قال إسحاق: وكان ببطارا - قال: ثم سكتّ، وعلمت أنّ إبراهيم يشكوني وأن الرشيد سوف يسأل من حضر مما جرى فيخبرونه، فتلافيت ذلك [2] ، ثم قلت: أنت تظنّ أنّ الخلافة تصير إليك فلا تزال تهدّدني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسدا له ولولده على الأمر! فأنت تضعف عنه وعنهم وتستخفّ بأوليائهم تشفّيا؛ وأرجو ألّا يخرجها اللّه عن يد الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها؛ فإن صارت إليك - وباللّه العياذ - فحرام عليّ العيش يومئذ، والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذ ما بدا لك. قال: فلمّا خرج الرشيد وثب إبراهيم فجلس بين يديه فقال:

يا أمير المؤمنين، شتمني وذكر أمّي واستخفّ بي؛ فغضب وقال: ما تقول؟ ويلك! قلت: لا أعلم، فسل من حضر؛ فأقبل على مسرور [3] وحسين؛ فسألهما عن القصّة؛ فجعلا يخبرانه ووجهه يتربّد [4] إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة، فسرّي عنه ورجع لونه، وقال لإبراهيم: ماله ذنب، شتمته فعرّفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انقضى المجلس وانصرف الناس، أمر بألّا أبرح، وخرج كلّ من حضر حتى لم يبق غيري؛ فساء ظنّي وأهمّتني نفسي؛ فأقبل عليّ وقال: ويلك/ يا إسحاق! أتراني لم أفهم قولك ومرادك! قد واللّه زنّيته [5] ثلاث مرات، أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت! ويلك! لا تعد؛ حدّثني عنك، لو ضربك إبراهيم، أكنت أقتصّ لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل؟! أتراك لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك؟! فقلت:

يا أمير المؤمنين، قد واللّه قتلتني بهذا الكلام، ولئن بلغه ليقتلنّي، وما أشك في أنه قد بلغه الآن؛ فصاح بمسرور الخادم وقال: عليّ بإبراهيم الساعة فأحضر، وقال: قم فانصرف؛ وقلت لجماعة من الخدم، وكلّهم كان لي محبّا وإليّ مائلا ولي مطيعا: أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لمّا دخل وبّخه وجهّله وقال له: أتستخفّ بخادمي وصنيعتي ونديمي وابن نديمي/ وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي، وتقدم عليّ وتستخفّ بمجلسي وحضرتي؟ هاه هاه [6] .! أتقدم على هذا وأمثاله! وأنت مالك وللغناء، وما يدريك ما هو! ومن أخذك [7] به وطارحك إياه حتى تتوهّم أنك تبلغ مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلّمه وهو صناعته! ثم تظن أنك تخطّئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليك فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه! أليس هذا مما يدلّ على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك وغلبة لذّتك على مروءتك وشرفك ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، وادّعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك الناس إلى الجهل المفرط! ألا تعلم - ويلك - أنّ هذا سوء أدب وقلّة معرفة وقلة مبالاة بالخطأ والتكذيب والردّ القبيح!. ثم قال: واللّه العظيم وحقّ رسوله، وإلا فأنا نفيّ من المهديّ، لئن أصابه

[1] الأعلم: الذي بشفته العليا أو في جانبيها شق.

[2] عبارة «مختار الأغاني» لابن منظور: «فتلافيت ذلك بأن قلت ... » .

[3] مسرور وحسين: خادمان كانا للرشيد.

[4] تريد وجهه: تغير وتعبس.

[5] زناء (بالتشديد) : قذفه ونسبه إلى الزنا.

[6] هاه هاه: تكون حكاية لضحك الضاحك وللوعيد. وتكون أيضا في موضع آه التي للتوجع.

[7] كذا في ح والمختصر. وفي سائر الأصول: «و من أخذ لحنه وطارحك ... إلخ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت