فهرس الكتاب

الصفحة 1362 من 6876

علّويه العود وشرب رطلا وشرب عليّ بن هشام؛ ثم تناول العود وغنّى:

صوت

ولقد أسمو إلى غرف ... في طريق موحش جدده [1]

حوله الأحراس تحرسه ... ولديه جاثما أسده

-الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو - فقال له إسحاق: أخطأت ويلك! فوضع العود من يده ثم أقبل على إسحاق فقال له: دعاك الأمير - أعزّه اللّه - لتبكّر إليه، فجئته ظهرا، وغنّيت صوتين يشتهيهما الأمير - أعزّه اللّه - عليّ فخطّأتني فيهما، وزعمت أنك لا تغنّي بين يدي الأمير - أعزّه اللّه - ولا تغنّي إلا بين يدي خليفة أو وليّ عهد، ولو دعاك بعض البرامكة لكنت تسرع إليه ثم تغنّى منذ غدوة إلى الليل!؛ فقال إسحاق: إني واللّه ما أردت انتقاصا منك، ولا أقول مثله لغيرك ولا أريد ازدراء من أحد، ولكني أردت بك خاصّة التقويم والتأديب؛ فإن ساءك ذلك تركتك في خطئك. ثم أقبل على عليّ بن هشام، فقال له: أعزّك اللّه، إني أحدّثك عن البرامكة بما يقيم عذري فيما ذكره: دخلت على يحيى بن خالد يوما، ولم أكن أردت الدخول عليه، وإنما ركبت متبذّلا [2] لهمّ أهّمني، وكنت نازلا مع أبي في داره، فضقت صدرا بذلك وأحببت النّقلة عنه، ونظرت فإذا يدي تقصر عما يصلحني؛ ثم ذكر الخبر نحوا مما قلته. وزاد فيه: أنه دخل إلى يحيى بن خالد وهو مصطبح، فلما رآه نعر [3] وصفّق، وأنه وقّع له بمائتي ألف درهم، ووقّع له كلّ من جعفر والفضل بمائة وخمسين ألفا، وكلّ واحد من موسى ومحمد بمائة ألف مائة ألف. وقال فيه: فبكى عليّ بن هشام ومن حضر، وقالوا:/ لا يرى واللّه مثل هؤلاء أبدا؛ وأخذ إسحاق العود فغنّى الصوتين فأتى فيهما بالعجائب؛ فقام علّويه فقبّل رأسه وقال له: أنت أستاذنا وابن أستاذنا، وما بنا عن تقويمك غنّى؛ ثم غنّى بعد ذلك لحنه: «تشكّى الكميت الجري» ، ولم يزل يغنّي بقيّة يومه كلّما شرب عليّ بن هشام؛ ثم انصرف فأتبعه عليّ بن هشام بجائزة سنيّة.

قال عبد اللّه بن العباس الربيعي: إنه لا يقاربه في الصنعة أحد:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا عون بن محمد قال حدّثني عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ قال:

أحضرني إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلمّا جلست واطمأننت، أخرج إليّ خادمه رقعة، فقال: اقرأ ما فيها واعمل بما رسمه الأمير أعزّه اللّه؛ فقرأتها فإذا فيها قوله:

صوت

يرتاح للدّجن [4] قلبي وهو مقتسم ... بين الهموم ارتياح الأرض للمطر

إني جعلت لهذا الدّجن نحلته [5] ... ألّا يزول ولي في اللهو من وطر

[1] جدده (بضم ففتح) : معالمه، واحده جدّة.

[2] التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع.

[3] نعر: صاح وصوّت.

[4] الدجن: إلباس الغيم الأرض، وقيل: إلباسه أقطار السماء.

[5] النحلة: المذهب والنوع، يعني أنه جعل لهذا الدجن ما يناسبه من الشراب واللهو، وكان من عادتهم أنهم يستحسنون ذلك إذا أدجن اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت