فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فقال: ليس هذا موضع حوائج؛ فقال: لتفعلنّ، ولم يزل يلحّ عليه حتى قال له: أمير المؤمنين عليّ واجد؛ فأحبّ أن تترضّاه؛ قال: فإنّ أمير المؤمنين قد رضي عنك، فهات حوائجك؛ فقال: هذه كانت حاجتي؛ قال: ارفع حوائجك كما أقول لك؛ قال: عليّ دين فادح؛ قال: هذه أربعة آلاف ألف درهم، فإن أحببت أن تقبضها فاقبضها من منزلي الساعة، فإنه لم يمنعني من إعطائك إيّاها إلا أنّ قدرك يجلّ على أن يصلك مثلي، ولكني ضامن لها حتى تحمل من مال أمير المؤمنين غدا؛ فسل أيضا؛ قال: ابني، تكلّم أمير المؤمنين حتى ينوّه باسمه؛ قال: قد ولّاه أمير المؤمنين مصر/ وزوّجه/ ابنته العالية [1] ومهرها ألفي ألف درهم. قال إسحاق: فقلت في نفسي: قد سكر الرجل (أعني جعفرا) . فلما أصبحت لم تكن لي همّة إلا حضور دار الرشيد؛ وإذا جعفر بن يحيى قد بكّر، ووجدت في الدار جلبة، وإذا أبو يوسف القاضي ونظراؤه قد دعي بهم، ثم دعي بعبد الملك بن صالح وابنه فأدخلا على الرشيد؛ فقال الرشيد لعبد الملك: إنّ أمير المؤمنين كان واجدا عليك وقد رضي عنك، وأمر لك بأربعة آلاف ألف درهم، فاقبضها من جعفر بن يحيى الساعة. ثم دعا بابنه فقال: اشهدوا أنّي قد زوّجته العالية بنت أمير المؤمنين وأمهرتها عنه ألفي ألف درهم من مالي وولّيته مصر [2] . قال: فلمّا خرج جعفر بن يحيى سألته عن الخبر؛ فقال: بكرّت على أمير المؤمنين فحكيت له ما كان منا وما كنّا [3] فيه حرفا حرفا، ووصفت له دخول عبد الملك وما صنع؛ فعجب لذلك وسرّ به؛ ثم قلت له: قد ضمنت له عنك يا أمير المؤمنين ضمانا؛ فقال: ما هو؟ فأعلمته؛ قال: أوف له بضمانك، وأمر بإحضاره؛ فكان ما رأيت.
حمل علويه لحنا له إلى أبيه فأعجب به وأثنى عليه:
أخبرني عمّي قال حدّثني فضل اليزيديّ عن إسحاق قال:
لمّا صنعت لحني في:
هل إلى نظرة إليك سبيل
ألقيته على علّويه، وجاءني رسول أبي بطبق فاكهة باكورة؛ فبعثت إليه: برّك اللّه يا أبة ووصلك! الساعة أبعث إليك بأحسن من هذه الباكورة؛ فقال: إني أظنّه قد أتى بآبدة [4] ؛ فلم يلبث أن دخل عليه علّويه فغنّاه الصوت؛ فعجب منه وأعجب به، وقال: قد أخبرتكم أنه قد أتى بآبدة. ثم قال لولده: أنتم تلومونني على/ تفضيل إسحاق ومحبّتي له، واللّه لو كان ابن غيري لأحببته لفضله فكيف وهو ابني؛ وستعلمون أنكم لا تعيشون إلّا به. وقد ذكر أبو حاتم الباهليّ عن أخيه أبي معاوية بن سعيد بن سلم أنّ هذه القصة كانت لمّا صنع إسحاق لحنه في:
غيّضن من عبراتهن وقلن لي
وقد ذكرت ذلك مع أخبار هذا الصوت في موضعه.
[1] كذا في الأصول و «ابن الأثير» (ج 6 ص 148) والذي في «الطبري» (ص 759 من القسم الثالث) «أم الغالية» بالغين المعجمة.
[2] الذي ذكر في كتب التاريخ أن الذي ولى مصر من قبل الرشيد هو عبد الملك بن صالح ولم يدخلها وإنما استخلف عليها عبد اللّه بن المشيب الضبي. ولم نعثر في كل هذه الكتب عند ذكر ولاة مصر عن ابن لعبد الملك هذا، ولم نجد هذه القصة في مصدر آخر من كتب التاريخ والأدب، غير أن ابن طباطبا أوردها بعبارة أوسع في «الفخري» (ص 282 طبع أوروبا سنة 1894) .
[3] في ح: «ما كان منا وما كان منه» .
[4] الآبذة: الغريبة.