فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فشرب عليه واستحسنه وقال لي: يا أبا محمد، لو قلت مكان «يا حبّذا ريح الجنوب» : «يا حبّذا ريح الشّمال» ، ألم يكن أرقّ وأعذى [1] وأصحّ للأجساد وأقلّ وخامة وأطيب/ للأنفس؟ فقلت: ما ذهب عليّ ما قاله أمير المؤمنين، ولكن التفسير فيما بعد؛ فقال: قل؛ فقلت:
ماذا تهيج من الصّبابة والهوى ... للصّبّ بعد ذهوله والياس
فقال الواثق: إنما استطبت ما تجيء به الجنوب من نسيم أهل بغداد لا الجنوب، وإليهم اشتقت لا إليها؛ فقلت: أجل يا أمير المؤمنين؛ وقمت فقبّلت يده؛ فضحك وقال: قد أذنت لك بعد/ ثلاثة أيام، فامض راشدا؛ وأمر لي بمائة ألف درهم. لحن إسحاق هذا من الثقيل الأوّل.
جعفر بن يحيى البرمكي وعبد الملك بن صالح الهاشمي:
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبي عن إسحاق قال:
لم أر قطّ مثل جعفر بن يحيى؛ كانت له فتوة وظرف وأدب وحسن غناء وضرب بالطبل، وكان يأخذ بأجزل حظّ من كل فنّ من الأدب والفتوّة. فحضرت باب أمير المؤمنين الرشيد، فقيل لي: إنه نائم، فانصرفت؛ فلقيني جعفر بن يحيى فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: أمير المؤمنين نائم؛ فقال: قف مكانك؛ ومضى إلى دار أمير المؤمنين فخرج إليه الحاجب فأعلمه أنه نائم؛ فخرج إليّ وقال لي: قد نام أمير المؤمنين، فسر بنا إلى المنزل حتى نخلو جميعا بقيّة يومنا وتغنّيني وأغنّيك ونأخذ في شأننا من وقتنا هذا؛ قلت نعم، فصرنا إلى منزله فطرحنا ثيابنا، ودعا بالطعام فطعمنا، وأمر بإخراج الجواري وقال: لتبرزن؛ فليس عندنا من تحتشمن منه. فلمّا وضع الشراب دعا بقميص حرير فلبسه ودعا بخلوق فتخلّق به، ثم دعا لي بمثل ذلك، وجعل يغنّيني وأغنّيه؛ ثم دعا بالحاجب فتقدّم إليه وأمره بألّا يأذن لأحد من الناس كلّهم، وإن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه أنه مشغول؛ واحتاط في ذلك وتقدّم فيه إلى جميع الحجّاب والخدم؛ ثم قال: إن جاء عبد الملك فأذنوا له - يعني رجلا كان/ يأنس به ويمازحه ويحضر خلواته - ثم أخذنا في شأننا؛ فو اللّه إنّا لعلى حالة سارّة عجيبة إذ رفع السّتر، وإذا عبد الملك بن صالح الهاشميّ قد أقبل، وغلط الحاجب ولم يفرّق بينه وبين الذي يأنس به جعفر بن يحيى. وكان عبد الملك بن صالح الهاشميّ من جلالة القدر والتقشف وفي الامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان أمير المؤمنين قد اجتهد به أن يشرب معه أو عنده قدحا فلم يفعل ذلك رفعا لنفسه. فلما رأيناه مقبلا، أقبل كلّ واحد منّا ينظر إلى صاحبه، وكاد جعفر أن ينشقّ غيظا. وفهم الرجل حالنا، فأقبل نحونا، حتى إذا صار إلى الرّواق الذي نحن فيه نزع قلنسيته فرمى بها مع طيلسانه جانبا؛ ثم قال: أطعمونا شيئا؛ فدعا له جعفر بالطعام وهو منتفخ غضبا وغيظا فطعم، ثم دعا برطل فشربه، ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه فأخذ بعضادتي [2] الباب ثم قال: اشركونا فيما أنتم فيه؛ فقال له جعفر:
ادخل؛ ثم دعا بقميص حرير وخلوق فلبس وتخلّق، ثم دعا برطل ورطل حتى شرب عدّة أرطال، ثم اندفع ليغنّينا، فكان واللّه أحسننا جميعا غناء. فلما طابت نفس جعفر وسرّي عنه ما كان به التفت إليه فقال له: ارفع حوائجك؛
إنه يسمى باليونانية نرديسيون. والبسباس: نبات طيب الريح وهو المعروف بالفارسية باسم الرازيانج وفي مصر والشام باسم الشمار.
[1] أعذى: أطيب.
[2] عضادتا الباب: خشبتاه من جانبيه.