فهرس الكتاب

الصفحة 1430 من 6876

أراق دما لو لا الهوى ما أراقه ... فهل [1] بدمي من ثائر أو مطالب

قال: فقلت له: ما سمعت أحسن من هذا الشعر قطّ؛ فقال لي: فاصنع فيه؛ فصنعت فيه لحنا؛ وأحضرني وصيفة له، فألقيته عليها حتى أخذته؛ وقال: إنما أردت أن أتسلّى به في طريقي وتذكّرني به الجارية أمرك إذا غنّته.

فكان كلما ذكر أتاني برّه، إلى أن قدم، عدّة دفعات. لم أجد لإسحاق صنعة في هذا الشعر، والذي وجدت فيه لعبد اللّه بن طاهر خفيف رمل، ذكره ابنه عبيد اللّه عنه. ولمخارق لحن من الرمل. ولعمرو بن بانة هزج بالوسطى.

ولمخارق والطاهريّة خفيف ثقيل.

سأل عنه المتوكل حين كف فأحضره ثم غناه فوصله:

حدّثني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللّه محمد بن/ حمدون قال:

سأل المتوكّل عن إسحاق الموصليّ، فعرف أنه قد كفّ وأنه في منزله ببغداد؛ فكتب في إحضاره. فلما دخل عليه رفعه حتى أجلسه قدّام السرير، وأعطاه مخدّة، وقال له: بلغني أن المعتصم دفع إليك مخدّة في أوّل يوم جلست بين يديه وهو خليفة، وقال: إنه لا يستجلب ما عند حرّ بمثل الكرامة؛ ثم سأله: هل أكل؟ فقال نعم؛ فأمر أن يسقى؛ فلما شرب أقداحا قال: هاتوا لأبي محمد عودا فجيء به؛ فاندفع يغنّي بصوت الشعر فيه والغناء له:

صوت

ما علّة الشيخ عيناه بأربعة [2] ... تغرورقان بدمع ثم تنسكب

-قال أبو عبد اللّه: فو اللّه ما بقي غلام من الغلمان الوقوف على الحير [3] إلا وجدته يرقص طربا وهو لا يعلم بما يفعل - فأمر له بمائة ألف درهم. ثم قال لي المتوكل: يابن حمدون، أتحسن أن تغنّيني هذا الصوت؟ فقلت نعم؛ قال: غنّه؛ فترنّمت به؛ فقال إسحاق: من هذا الذي يحكيني؟ فقال: هذا ابن صديقك حمدون؛ فقال: وددت أنه يحسن أن يحكيني؛ فقلت له: أنت عرّضتني له يا أمير المؤمنين. ثم انحدر المتوكل إلى رقّة [4] بوصرا؛ وكان يستطيبها لكثرة تغريد الأطيار بها، فغنّى إسحاق:

صوت

أأن هتفت ورقاء في رونق الضّحى ... على غصن غضّ الشباب من الرّند

بكيت كما يبكي الحزين صبابة ... وشوقا وتابعت الحنين إلى نجد

فضحك المتوكل وقال له: يا إسحاق، هذه أخت فعلتك بالواثق لمّا غنّيته بالصالحيّة [5] :

[1] في ح: «فهل يدري ذا من ثائر أو مطالب» .

[2] يقال: عيناه تدمعان بأربعة، أي تسيلان بأربعة آماق، وذلك أشدّ البكاء.

[3] كذا في ح. والحير: اسم قصر بسر من رأى بناه المتوكل وأنفق على عمارته أربعة آلاف ألف درهم. (راجع ياقوت في الكلام على الحير) . وفي سائر الأصول: «الخبر» بالخاء المعجمة والباء الموحدة، وهو تصحيف.

[4] الرقة: كل أرض إلى جنب واد ينبسط عليها الماء. وبوصرا: قرية من قرى بغداد.

[5] الصالحية: قرية قرب الرها من أرض الجزيرة، احتلها عبد الملك بن صالح الهاشمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت