فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
صوت
بدير [1] القائم الأقصى ... غزال شادن أحوى
برى حبّي له جسمي ... ولا يعلم ما ألقى
وأكتم حبّه جهدي ... ولا واللّه ما يخفى
/ وركبت فلحقت بالمعسكر والرشيد قد جلس للشرب وطلبني فلم أوجد. وأخبرت بذلك،/ فغنّيت في الأبيات ودخلت إليه؛ فقال لي: أين كنت؟ ويحك! فأخبرته بالخبر وغنّيته الصوت؛ فطرب وشرب عليه حتى سكر، وأخّر الرحيل في غد، ومضينا إلى الدّير ونزله، فرأى الشيخ واستنطقه، ورأى الجارية التي كانت تخدمني بالأمس؛ فدعا بطعام خفيف فأصاب منه، ودعا بالشراب، وأمر الجارية التي كانت بالأمس تخدمني أن تتولّى خدمته وسقيه ففعلت، وشرب حتى طابت نفسه؛ ثم أمر للدّير بألف دينار، وأمر باحتمال خراجه له سبع سنين؛ فرحلنا.
قال حمّاد: فحدّثني أبي قال: فلما صرنا بتلّ عزاز من دابق [2] خرجت أنا وأصحاب لي نتنزّه في قرية من قراها، فأقمنا بها أيّاما، وطلبني الرشيد فلم يجدني. فلمّا رجعت أتيت الفضل بن الربيع؛ فقال لي: أين كنت؟
طلبك أمير المؤمنين؛ فأخبرته بنزهتنا فغضب. وخفت من الرشيد أكثر مما لقيت من الفضل؛ فقلت:
صوت
إنّ قلبي بالتّلّ تلّ عزاز ... عند ظبي من الظّباء الجوازي [3]
شادن يسكن الشآم وفيه ... مع ظرف العراق شكل [4] الحجاز
يا لقومي لبنت قسّ أصابت ... منك صفو الهوى وليست تجازي
حلفت بالمسيح أن تنجز الوع ... د وليست تهمّ بالإنجاز
وغنّيت فيه؛ ثم دخلت على الرشيد وهو مغضب؛ فقال: أين كنت؟ طلبتك فلم أجدك؛ فاعتذرت إليه وأنشدته هذا الشعر وغنّيته إياه؛ فتبسّم وقال: عذر وأبيك/ وأيّ عذر! وما زال يشرب عليه ويستعيدنيه ليلته جمعاء حتى انصرفنا مع طلوع الفجر. فلمّا وصلت إلى رحلي إذا برسول أمير المؤمنين قد أتانا يدعونا؛ فوافيت فدخلت، وإذا ابن جامع يتمرّغ على دكّان في الدار وهو سكران يتململ؛ فقال لي: يابن الموصليّ، أتدري ما جاء بنا؟ فقلت:
لا واللّه ما أدري؛ فقال: لكنّي واللّه أدري دراية صحيحة، جاءت بنا نصرانيّتك الزانية، عليك وعليها لعنة اللّه. وخرج الآذن فأذن لنا، فدخلنا. فلما رأيت الرشيد تبسّمت؛ فقال لي: ما يضحكك؟ فأخبرته بقول ابن جامع؛ فقال:
صدق [5] ، ما هو إلا أن فقدتكم فاشتقت إلى ما كنّا فيه، فعودوا بنا، فعدنا فيه حتى انقضى مجلسنا وانصرفنا.
[1] دير القائم الأقصى: على شاطىء الفرات من جانبه الغربي في طريق الرقة. وذكر ياقوت في «معجمه» وابن فضل اللّه العمري في «مسالك الأبصار» بعد تعريفهما لهذا الدير قالا: «قال أبو الفرج: وقد رأيته، وهو مرقب من المراقب التي كانت بين الروم والفرس، على أطراف الحدود» . وفيهما أن هذه الأبيات لعبد اللّه بن مالك المغني، وقال الخالدي: هي لإسحاق الموصليّ.
[2] دابق: قرية قرب حلب من أعمال عزاز، بينها وبين حلب أربعة فراسخ.
[3] انظر الحاشية رقم 3 ص 373 من هذا الجزء.
[4] الشكل (بالكسر والفتح) : الدل.
[5] في الأصول: «ما صدق» . وظاهر أن «ما» مقحمة من الناسخ.