فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 6876

لي: لو لا وشك الرّحيل، وخوف الفوت، ومحبّتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك، هات الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني.

/ فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكلّ شيء. ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لي البيت، فأخذت أنظر، فإذا أنا بتور [1] فيه خلوق [2] ، فأدخلت يدي فيه ثم خبأتها في ردني [3] . وجاءت تلك العجوز فشدّت عينيّ ونهضت بي تقودني، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب، ثم صرت إلى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمائة درهم [4] .

فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم. فنهضت معه،/ فإذا أنا بالكفّ طريّة، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان. فأخذت في أهبة الرّحيل، فلمّا نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك اللّه والرّحم أن تصحبني [5] ، ويحك! ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط [6] بدمك [7] . فسارت العجوز إليه فأدّت إليه ما قالت لها فاطمة. فقال: لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي/ جلدها، فأخبرتها ففعلت وجّهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفا. ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم [8] ، حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك:

ضاق الغداة بحاجتي صدري ... ويئست بعد تقارب الأمر

وذكرت فاطمة التي علّقتها [9] ... عرضا [10] فيا لحوادث [11] الدّهر

وفي هذه القصيدة مما يغنّى فيه قوله:

[1] التور: إناء صغير؛ سمّى بذلك لأنه يتعاور ويردّد، أو سمى بالتور وهو الرسول الذي يتردّد ويدور بين العشاق. قال الشاعر:

والتور فيما بيننا معمل ... يرضى به المأتّى والمرسل

ومأخذه من التارة؛ لأنه تارة عند هذا وتارة عند هذا. (راجع أساس «البلاغة» مادة تور) .

[2] الخلوق: نوع من الطيب.

[3] الردن: الكمّ.

[4] في ح، ر: «دينار» .

[5] كذا في ت. تريد: ألا تصحبني. (و انظر الحاشية رقم 1 صفحة 167) . وفي سائر النسخ: «أن فضحتني» .

[6] هذه الواو ينصب بعدها الفعل، والشرط فيها أن يتقدّم الواو نفي أو طلب كقوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ

، وكقول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

وسمّى الكوفيون هذه الواو واو الصرف؛ وذلك لأنها لا يستقيم عطف ما بعدها على ما قبلها. (انظر «المغنى» طبع مصر ج 2 ص 35 و «اللسان» مادة «وا» ) .

[7] أشاط دمه وبدمه: أهدره وعرّض نفسه «القتل» . وف ب، س: «و انشط بدمك» أي فز به مسرعا ولا تهدره.

[8] في ت، م، أ، ء: «و لا يخالطهم» بالواو.

[9] راجع الحاشية رقم 7 في صفحة 159 من هذا الجزء.

[10] في «ديوانه» : «غرضا» . والغرض هنا: الشوق.

[11] هذه اللام يجوز فيها الفتح على أنها داخلة على المتعجب منه، والكسر على أنها داخلة على المستغاث من أجله والمستغاث محذوف؛ كأنه قال: يا للناس لحوادث الدهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت