فهرس الكتاب

الصفحة 1837 من 6876

أقطع المعتصم الناس الدّور بسرّ من رأى وأعطاهم النفقات لبنائها، ولم يقطع الحسين بن الضحّاك شيئا.

فدخل عليه فأنشده قوله

يا أمين اللّه لا خطّة [1] لي ... ولقد أفردت صحبي بخطط

أنا في دهياء من مظلمة ... تحمل الشيخ على كلّ غلط

صعبة المسلك يرتاع لها ... كلّ من أصعد فيها وهبط

بوّني [2] منك كما بوّأتهم ... عرصة تبسط طرفي ما انبسط

أبتني فيها لنفسي موطنا ... ولعقبي فرطا بعد فرط

لم يزل منك قريبا مسكني ... فأعد لي عادة القرب فقط

كلّ من قرّبته مغتبط [3] ... ولمن أبعدت خزي وسخط

قال: فأقطعه دارا وأعطاه ألف دينار لنفقته عليها.

حاز شعرا لأبي العتاهية:

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال أخبرني عمّي الفضل عن الحسين بن الضحّاك قال:

كنت أمشي مع أبي العتاهية، فمررت بمقبرة وفيها باكية تبكي بصوت شج على ابن لها. فقال أبو العتاهية:

أما تنفكّ باكية بعين ... غزير دمعها كمد حشاها

أجز يا حسين؛ فقلت:

تنادي حفرة أعيت جوابا ... فقد ولهت [4] وصمّ بها صداها [5]

نصحه أبو العتاهية بألا يرثي الأمين فأطاعه:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى قال حدّثني الحسين بن الضحّاك قال:

كنت عازما على أن أرثي الأمين [6] بلساني كلّه وأشفي لوعتي. فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائل ولك محبّ، وقد علمت مكانك من الأمين، وإنه لحقيق بأن ترثيه، إلّا أنك قد أطلقت لسانك من التلهّف عليه والتوجّع له بما صار هجاء لغيره وثلبا له وتحريضا عليه، وهذا المأمون منصب إلى العراق قد أقبل عليك؛ فأبق على نفسك؛ يا ويحك! أتجسر على أن تقول:

[1] الخطة: المكان المختط لعمارة وغيرها، وهي أيضا أرض يختطها الرجل لم تكن لأحد قبله.

[2] بوّني: أصلها «بوّئني» ، سهلت الهمزة فصارت ياء ثم حذفت لصيغة الأمر.

[3] يقال: فلان مغتبط (بكسر الباء) إذا كان في نعمة، ومغتبط (بفتح الباء) إذا اغتبطه الغير على نعمة وتمنى أن يكون مثله.

[4] الوله: الحزن أو ذهاب العقل لفقدان الحبيب.

[5] الصدى: الصوت الذي يرده الجبل إذا رفع فيه الإنسان صوته. وصمم الصدى كناية عن الهلاك، يقال: أصم اللّه صداه إذا أهلكه، وصمّ صداه. قال امرؤ القيس:

صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل

[6] كذا في ح. وفي سائر الأصول: «الأمير» وهو تحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت