فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم أتاها عبد اللّه بن علقمة ليرجعها إلى منزلها، فوجد حبيشة قد زيّنت لأمر كان في الحيّ، فازداد بها عجبا، وانصرف بأمّه في غداة تمطر، فمشى معها شيئا ثم أنشأ يقول:
وما أدري بلى إنّي لأدري ... أصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيشة والذي خلق الهدايا ... وما عن بعدها للصّبّ عيش
فسمعت ذلك أمّه فتغافلت عنه وكرهت قوله. ثم مشيا مليّا، فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض، فقال:
يا أمّتا أخبريني غير كاذبة ... وما يريد مسول الحقّ بالكذب
أتلك أحسن أم ظبي برابية ... لا بل حبيشة في عيني وفي أربي
/ فزجرته أمّه وقالت له: ما أنت وهذا! نزوّجك بنت عمك فهي أجمل من تلك. وأتت امرأة/ عمّه فأخبرتها خبره، وقالت: زيّني ابنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه. فلما رآها أطرق. فقالت له أمّه: أيّهما الآن أحسن؟ فقال:
إذا غيّبت عنّي حبيشة مرّة ... من الدّهر لم أملك عزاء ولا صبرا
كأنّ الحشى حرّ السّعير يحشّه [1] ... وقود الغضى والقلب مستعرا [2]
وجعل يراسل الجارية وتراسله حتى علقته كما علقها، وكثر قوله للشعر فيها. فمن ذلك قال:
حبيشة هل جدّي وجدّك جامع ... بشملكم شملي وأهلكم أهلي
وهل أنا ملتفّ بثوبك مرّة ... بصحراء بين الأليتين [3] إلى النخل
وهل أشتفي من ريق ثغرك مرّة ... كراح ومسك خالطا [4] ضرب النّحل
فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدّة، وهو يزيد غراما بها ويكثر قول الشعر فيها. فأتوها فقالوا لها: عديه السّرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك اللّه إن كنت أحببتني فو اللّه ما على الأرض شيء أبغض إليّ منك، ونحن قريب نستمع ما تقولين. فوعدته وجلسوا قريبا يستمعون، وجلست عند السّرحة، وأقبل عبد اللّه لوعدها. فلما دنا منها دمعت عينها والتفتت إلى حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب فرجع. وبلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول:
لو قلت ما قالوا لزدت جوّى بكم ... على أنه لم يبق ستر ولا صبر
/ ولم يك حبّي عن نوال بذلته ... فيسليني عنه التجهّم والهجر
وما أنس م الأشياء لا أنس دمعها ... ونظرتها حتى يغيّبني القبر
[1] يقال: حش النار يحشها حشا إذا أوقدها.
[2] كذا في ب، س. وفي سائر الأصول: «و القلب مصفرا» . وكلاهما غير متزن.
[3] كذا في أ، ء، م. وألية: ماءة من مياه بني سليم، وفيها أقوال أخرى. (راجع «معجم البلدان» لياقوت) . وفي سائر الأصول: «الألتين» بتقديم التاء على الياء. والنخل: اسم لمواضع كثيرة.
[4] الضرب (بالتحريك) . العسل الأبيض الغليظ.