فهرس الكتاب

الصفحة 1914 من 6876

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلّام قال: تذاكروا جريرا والفرزدق في حلقة يونس [1] بن معاوية بن أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر ومسمع وعامر ابنا عبد الملك المسمعيّان، فسمعت عامرا وهو شيخ بكر بن وائل يقول: كان جرير واللّه أنسبهما وأسبّهما وأشبههما.

سمع الراعي شعره فأقرّ بأنه جدير بالسبق:

قال ابن سلّام: وحدّثني أبو البيداء قال: مرّ راكب بالراعي وهو يغنّي بيتين لجرير، وهما:

وعاو عوى من غير شيء رميته ... بقارعة أنفاذها تقطر الدّما

خروج بأفواه الرّواة كأنّها ... قرا هندوانيّ [2] إذا هزّ صمّما

فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان؟ قال: لجرير. قال: لو اجتمع على هذا جميع الجنّ والإنس ما أغنوا فيه شيئا. ثم قال لمن حضر: ويحكم أألام على أن يغلبني مثل هذا!.

رأي بشار فيه وفي صاحبيه ورثاؤه ابنه:

قال ابن سلّام: وسألت بشّارا المرعّث: أيّ الثلاثة أشعر؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما ولكنّ ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. قلت: فهذان؟ قال: كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النّوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. فقلت لبشّار: وأيّ شيء لجرير من المراثي إلّا التي رثى بها امرأته! فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة ومات بالشأم:

قالوا نصيبك من أجر لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي

/ فارقتني حين كفّ الدهر من بصري ... وحين صرت كعظم الرّمة البالي

أمسى سوادة يجلو مقلتي لحم [3] ... باز يصرصر فوق المربأ العالي

قد كنت أعرفه منّي إذا غلقت ... رهن الجياد ومدّ الغاية الغالي [4]

إنّ الثّويّ [5] بذي الزّيتون فاحتسبي ... قد أسرع اليوم [6] في عقلي وفي حالي

إلّا تكنّ لك بالدّيرين معولة ... فربّ باكية بالرّمل معوال

[1] وردت هذه العبارة هكذا في جميع الأصول. ولعل الصواب فيها: في حلقة يونس بن حبيب وفيها أبو عمرو بن العلاء ... إلخ» لأن الذي كانت له حلقة بالبصرة هو يونس بن حبيب وكان يقصده طلبة العربية وفصحاء الأعراب والبادية. وكان من معاصري أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر والمسمعيين المذكورين هنا، وهم الذين تكررت رواية محمد بن سلام عنهم في «طبقاته» ، وكانوا يتزاورون ويتذاكرون في المسائل العربية وغيرها ولهم مجالس معروفة في ذلك. (راجع «الأمالي» لأبي علي القالي ج 1 ص 48 طبعة دار الكتب المصرية و «طبقات ابن سلام» طبعة أوروبا و «نزهة الألبا في طبقات الأدبا» لابن الأنباري) .

[2] الهندواني (بكسر الهاء وتضم) : المنسوب للهند، وهي نسبة شاذة.

[3] اللحم: البازي الذي يأكل اللحم أو يشتهيه. وصرصر: صوّت وصاح أشد الصياح. والمربأ: المرقب.

[4] الغالي: الرامي بالسهام.

[5] الثويّ المقيم.

[6] كذا في أكثر الأصول و «تجريد الأغاني» و «ديوانه» . وفي ب، س: «الموت» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت