فهرس الكتاب

الصفحة 1985 من 6876

أن رجلا أنشد مصعب بن الزّبير قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أمّ منظور

فقال: لوددت أنّي عرفت كيف جلتها. فقيل له: إن أم منظور هذه حيّة. فكتب في حملها إليه مكرّمة فحملت إليه.

فقال لها: أخبريني عن قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أمّ منظور

كيف كانت هذه الجلوة؟ قالت [1] : ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفّاحة، وضفرت شعرها وجعلت في فرقها شيئا من الخلوق. ومرّ بنا جميل راكبا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخّر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا. فقال لها مصعب: فإنّي أقسم عليك/ إلّا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة، ففعلت: وركب مصعب ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخّر عينه ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع.

زارها مرة متنكرا في زي سائل:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بهلول عن بعض مشايخه:

أنّ جميلا جاء إلى بثينة ليلة وقد أخذ ثياب راع لبعض الحيّ، فوجد عندها ضيفانا لها، فانتبذ ناحية، فسألته:

من أنت؛ فقال: مسكين مكاتب [2] ، فجلس/ وحده، فعشّت ضيفانها وعشّته وحده. ثم جلست هي وجارية لها على صلائهما واضطجع القوم منتحين. فقال جميل:

واعدته مرة وأحس أهلها فمنعوها فقال في ذلك شعرا:

... هل البائس المقرور دان فمصطل ... من النار أو معطى لحافا فلابس

فقالت لجاريتها: صوت جميل واللّه! اذهبي فانظري!. فرجعت إليها فقالت: هو واللّه جميل! فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون وقالوا مالك؟ فطرحت بردا لها من حبرة في النار وقالت: احترق بردي، فرجع القوم. وأرسلت جاريتها إلى جميل، فجاءتها به، فحبسته عندها ثلاث ليال، ثم سلّم عليها وخرج.

وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم:

كانت بثينة قد واعدت جميلا للالتقاء في بعض المواضع، فأتى لوعدها. وجاء أعرابيّ يستضيف القوم فأنزلوه وقروه، فقال لهم: إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرّقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلّوا [3] بعض إبلكم. فعرفوا أنه جميل وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيّىء الظنّ بها ورجع إلى أهله، فجعل نساء الحيّ يقرّعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها. فقال في ذلك:

أبثين إنك قد ملكت فأسجحي ... وخذي بحظّك من كريم واصل

[1] في الأصول: «قال» وهو تحريف.

[2] المكاتبة: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه منجما، فإذا أداه صار حرا.

[3] السل: انتزاع الشيء واغتصابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت