على فلان. قال: قاتلك اللّه! ما أعلمك بصالح المنازل! فما تريد أن ينزلك [1] ؟ قال: درمك [2] من درمككم هذا ولحم وخمر من بيت رأس [3] . فضحك عبد الملك ثم قال له: ويلك! وعلى أيّ شيء اقتتلنا إلا على هذا!. ثم قال:
ألا تسلم فنفرض لك في الفيء [4] ونعطيك عشرة آلاف؟ قال: فكيف بالخمر؟ قال: وما تصنع بها وإنّ أوّلها لمرّ وإن آخرها لسكر! فقال: أمّا إذا قلت ذلك فإن فيما بين هاتين لمنزلة ما ملكك فيها إلّا كعلقة ماء من الفرات بالإصبع.
فضحك ثم قال: ألّا تزور الحجّاج! فإنه كتب يستزيرك. فقال: أطائع أم كاره؟ قال: بل طائع. قال: ما كنت لأختار نواله على نوالك ولا قربه على قربك؛ إنني إذا لكما قال الشاعر:
/كمبتاع ليركبه حمارا ... تخيّره [5] من الفرس الكبير
فأمر له بعشرة آلاف درهم وأمره بمدح الحجّاج؛ فمدحه بقوله:
صرمت حبالك زينب ورعوم [6] ... وبدا المجمجم [7] منهما المكتوم
ووجّه بالقصيدة مع ابنه إليه وليست من جيّد شعره.
حاج أبو غسان بن خاقان بيتين من شعره:
وقال هارون بن الزيّات حدّثني محمد بن إسماعيل عن أبي غسّان قال:
ذكروا الفرزدق وجريرا في حلقة المدائنيّ؛ فقلت لصباح بن خاقان: أنشدك بيتين للأخطل وتجيء لجرير والفرزدق بمثلهما؟ قال: هات؛ فأنشدته:
ألم يأتها أنّ الأراقم [8] فلّقت ... جماجم قيس بين راذان والحضر [9]
جماجم قوم لم يعافوا ظلامة ... ولم يعرفوا أين الوفاء من الغدر
قال: فسكت.
حديث يونس النحوي عن الأخطل وسبقه جريرا والفرزدق:
قال إسحاق وحدّثني أبو عبيدة أن يونس سئل عن جرير والفرزدق والأخطل: أيهم أشعر؟ قال: أجمعت العلماء على الأخطل. فقلت لرجل إلى جنبه: سله ومن هم؟ فقال: من شئت، ابن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وعنبسة الفيل وميمون الأقرن، هؤلاء طرقوا الكلام وماشوه لا كمن تحكمون عنه لا بدويّين
[1] أي يقدّم لك النزل، وهو ما يهيأ للضيف من طعام وغيره.
[2] الدرمك: دقيق الحواري.
[3] بيت رأس: اسم لقريتين في كل واحدة منهما كروم كثيرة، تنسب إليهما الخمر.
[4] في ج: «فنفرض لك في ألفين» .
[5] في ب، س: «عن» .
[6] كذا في «شعر الأخطل» ص 43 من النسخة التي نشرها أنطون صالحاني اليسوعي ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 3937 أدب. ورعوم: اسم امرأة كما في «شرح القاموس» . في الأصول: «زعوم» بالزاي المعجمة.
[7] جمجم في صدره شيئا: أخفاه ولم يبده.
[8] الأراقم: هي من تغلب وهم جشم وبنو بكر ومالك والحارث ومعاوية.
[9] الحضر: اسم مدينة بإزاء تكريت بينها وبين الموصل والفرات. وراذان: قرية بنواحي نسا (بلد من خراسان) .