فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 6876

/ ثم قال عمر لابن سريج: يا أبا يحيى، إني تفكّرت في رجوعنا مع العشيّة إلى مكة مع كثرة الزّحام والغبار وجلبة الحاجّ فثقل عليّ، فهل لك أن نروح رواحا طيّبا معتزلا، فنرى فيه من راح صادرا إلى المدينة من أهلها، ونرى أهل العراق وأهل الشّأم ونتعلّل [1] في عشيّتنا وليلتنا ونستريح؟ قال: وأنّى ذلك يا أبا الخطّاب؟ قال: على كثيب أبي شحوة [2] المشرف على بطن يأجج [3] بين منى وسرف، فنبصر مرور الحاجّ بنا ونراهم ولا يرونا. قال ابن سريج: طيّب واللّه يا سيّدي. فدعا بعض خدمه فقال: اذهبوا إلى الدار بمكّة، فاعملوا لنا سفرة [4] واحملوها مع شراب إلى الكثيب، حتّى إذا أبردنا [5] ورمينا الجمرة [6] صرنا إليكم - قال: والكثيب على خمسة أميال من مكّة مشرف على طريق المدينة وطريق الشّأم وطريق العراق، وهو كثيب شامخ/ مستدق [7] أعلاه منفرد عن الكثبان - فصارا إليه فأكلا وشربا. فلمّا انتشيا أخذ ابن سريج الدّفّ [8] فنقره وجعل يغنّي وهم ينظرون إلى الحاجّ. فلمّا أمسيا رفع ابن سريج صوته يغنّي في الشّعر الذي قاله عمر، فسمعه الرّكبان فجعلوا يصيحون به: يا صاحب الصّوت أما تتّقي اللّه! قد حبست الناس عن مناسكهم! فيسكت قليلا، حتى إذا مضوا رفع صوته وقد أخذ فيه الشّراب فيقف آخرون، إلى أن مرّت [9] قطعة من الليل، فوقف عليه في الليل رجل على فرس عتيق [10] عربيّ مرح مستنّ [11] فهو كأنه ثمل، حتى وقف بأصل الكثيب وثنى رجله على قربوس [12] سرجه، ثم نادى: يا صاحب الصوت، أيسهل عليك أن تردّ شيئا مما سمعته؟ قال: نعم ونعمة عين، فأيّها تريد؟ قال: تعيد عليّ:

ألا يا غراب البين مالك كلمّا ... نعبت [13] بفقدان عليّ تحوم

أبالبين من عفراء أنت مخبّري ... عدمتك من طير فأنت مشوم

-قال: والغناء لابن سريج - فأعاده، ثم قال له ابن سريج: ازدد إن شئت. فقال: غنّني:

[1] نتعلل: نتلهى ونتسلى.

[2] في ت: «أبي شجوة» . وفي ا، ء، ب، س: «أبي سجرة» . وفي سائر المنسخ: «أبي شجرة» وكل ذلك محرّف عن «أبي شحوة» بالشين المعجمة المفتوحة والحاء المهملة الساكنة ثم واو مفتوحة، ذكره ياقوت وعرّفه كما في الأصل.

[3] يأجج كيسمع وينصر ويضرب: موضع من مكة على ثمانية أميال، وكان من منازل عبد اللّه بن الزبير. (انظر «شرح القاموس» مادة يأجج) .

[4] السفرة بالضم: طعام يتخذ للمسافر (كاللّهنة للطعام الذي يؤكل بكرة) وأكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إليه وسمي به كما سميت المزادة راوية، وفي حديث عائشة: «صنعنا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ولأبي بكر سفرة في جراب (أي طعاما) لما هاجر هو وأبو بكر رضي اللّه عنه» . وفي ح، ر: «سفرا» بصيغة الجمع.

[5] أبردنا: دخلنا في آخر النهار.

[6] الجمرة: واحدة جمرات المناسك وهي ثلاث جمرات ترمى بها الجمار، بين كل واحدة الأخرى غلوة (رمية) سهم. وسمي موضع رمي الجمار بمنى جمرة لأنه يرمى بالجمار (جمع جمرة وهي الحصاة) أو أنه سمي جمرة لأنه مجمع الحصى التي ترمى بها، من الجمرة وهي اجتماع القبيلة على من ناوأها.

[7] كذا في ح، ر. وفي سائر النسخ: «و هو كثيب شامخ مشيد وأعلاه مفرد عن الكثبان» .

[8] الدف بالضم ويفتح، قال في «القاموس» : وبالضم أعلى، وحكى الجوهريّ أن الفتح فيه لغة.

[9] في ب، س: «سرت» .

[10] العتيق من الخيل: الرائع الكريم الأصل.

[11] فرس مستنّ: نشيط.

[12] القربوس (بفتح الراء ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر. وحكى أبو زيد أن السكون فيه لغة) : مقدّم السرج ومؤخرة (و يقال لهما حنوا السرج) كل منهما قربوس.

[13] كذا في ب، س، وفي ح: «نعبت» بالياء المثناة. وفي سائر النسخ: «علوت» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت