أمسلم [1] إنّي يا بن كلّ خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا قمر [2] الأرض
شكرتك إنّ الشكر حبل [3] من التّقى ... وما كلّ من أقرضته نعمة يقضي
/ ونوّهت لي باسمي وما كان خاملا ... ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
فغنّاه، فقال له: الثالث ولا أستزيدك. فقال: قل ما شئت. فقال: تغنّيني
يا دار أقوت بالجزع [4] فالكثب [5] ... بين مسيل العذيب [6] فالرّحب [7]
لم تتقنّع [8] بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد في [9] العلب
/ فغنّاه. فقال له ابن سريج: أبقيت لك حاجة؟ قال: نعم، تنزل إليّ لأخاطبك شفاها بما أريد. فقال له عمر: انزل إليه، فنزل. فقال له: لو لا أنّي أريد وداع الكعبة وقد تقدّمني ثقلي وغلماني لأطلت المقام معك ولنزلت عندكم، ولكنّي أخاف أن يفضحني الصبح، ولو كان ثقلي معي لما رضيت لك بالهوينى، ولكن خذ حلّتي هذه وخاتمي ولا تخدع عنهما، فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار. وذكر باقي الخبر مثل ما ذكره حماد بن إسحاق.
[1] يريد مسلمة بن عبد الملك. وسيأتي هذا الشعر في أخبار أبي نخيلة ونسبه في الجزء الثامن عشر من «الأغاني» وأن أبا نخيلة وفد على مسلمة بن عبد الملك فمدحه ولم يزل به حتى أغناه قال يحيى بن تميم: فحدّثني أبو نخيلة قال: وردت على مسلمة بن عبد الملك فمدحته وقلت له: أمسلم الخ». قال فقال لي مسلمة: ممن أنت؟ فقلت: من بني سعد. فقال: ما لكم يا بني سعد والقصيد! وإنما حظكم في الرجز. قال فقلت: أنا واللّه أرجز العرب. قال: فأنشدني من رجزك، فكأني واللّه لما قال ذلك لم أقل رجزا قط، أنسانية اللّه كله، فما ذكرت منه ولا من غيره شيئا إلا أرجوزة لرؤبه قد كان قالها في تلك السنة فظننت أنها لم تبلغ مسلمة فأنشدته إياها فنكس وتتعتعت، فرفع رأسه إليّ وقال: لا تتعب نفسك فأنا أروي لها منك. قال: فانصرفت وأنا أكذب الناس عنده وأخزاهم عند نفسي، حتى استضلعت بعد ذلك ومدحته برجز كثير فعرفني وقرّبني، وما رأيت ذلك فيه يرحمه اللّه ولا قرعني به حتى افترقنا.
[2] في ت، ا، م، ء: «و يا جبل الأرض» .
[3] في ا، س، ء، م: «جزء» .
[4] الجزع: منعطف الوادي. ولعله يريد به جزع الدواهي وهو موضع بأرض طيء.
[5] الكثب (بالتحريك ويسكن) : واد في ديار طيء.
[6] العذيب: ماء بين القادسية والمغيثة. أو هو واد لبني تميم، وهو من منازل حاج الكوفة، وقيل هو حد السواد. وكتب عمر رضي اللّه عنه يوصي سعد بن أبي وقاص، وذكر في كتابه «عذيب الهجانات» و «عذيب القوادس» (راجع «معجم البلدان» ) .
[7] الرّحب بضم الراء وفتح الحاء المهملتين: موضع، ولم يذكره أبو عبيد ولا ياقوت، وقد ورد في هذا الشعر:
يا دار أسماء بين السفح فالرحب ... أقوت وعف عليها ذاهب الحقب
(انظر «خزانة الأدب» للبغدادي ج 1 ص 166) .
[8] أي لم تجعل فضل مئزرها قناعا لها، والقناع والمقنع والمقنعة: ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها. وفي «لسان العرب» مادة لفع و «شرح الأشموني» طبع بولاق ج 2 ص 475: «تتلفع» . واللفاع واللفعة: ما تلفّع له.
[9] في «اللسان» مادة لفع وت، ح، ر: «بالعلب» . والعلب: جمع علبة، وهي كما قال الأزهريّ: جلدة تؤخذ من جنب جلد البعير إذا سلخ وهو فطير، فتسوّى مستديرة ثم تملأ رملا سهلا ثم تضم أطرافها وتخل بخلال ويوكي عليها مقبوضة بحبل وتترك حتى تجفّ وتيبس، ثم يقطع رأسها وقد قامت قائمة لجفافها، تشبه قصعة مدوّرة كأنها نحتت نحتا أو خرطت خرطا، ويعلقها الراعي والراكب فيجلب فيها ويشرب بها، وللبدويّ فيها رفق خفتها وأنها لا تنكسر إذا حركها البعير أو طاحت إلى الأرض. (انظر «اللسان» مادة علب) . يريد أنها ليست من البدويات الفقيرات التي تشتمل بفضل مئزرها ترفعه على رأسها، ولا ممن يشرب ألبان الإبل في هذه العلب، ولكنها ممن نشأ في نعمة وكسي أحسن كسوة.