فهرس الكتاب

الصفحة 2257 من 6876

طمعوا فيه. فلما أظلّهم وضربت قبابه اجتمعت بنو أسد إلى نوفل بن ربيعة بن خدّان، فقال: يا بني أسد! من يتلقّى هذا الرجل منكم فيقتطعه؟ فإني قد أجمعت على الفتك به. فقال له القوم: ما لذلك أحد غيرك. فخرج نوفل في خيله حتى أغار على الثّقل فقتل من وجد فيه، وساق الثّقل وأصاب جاريتين قينتين لحجر، ثم أقبل حتى أتى قومه. فلما رأوا ما قد حدث وأتاهم به عرفوا أن حجرا يقاتلهم وأنه لا بدّ من القتال، فحشد الناس لذلك، وبلغ حجرا أمرهم، فأقبل نحوهم. فلما غشيهم ناهضوه القتال وهم بين أبرقين من الرمل في بلادهم يدعيان اليوم أبرقي حجر، فلم يلبثوا حجرا أن هزموا أصحابه وأسروه فحبسوه. وتشاور [1] القوم في قتله، فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا فيه رأيهم: أيّ قوم! لا تعجلوا بقتل الرجل حتّى أزجر لكم. فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله.

فلمّا رأى ذلك علباء خشي أن يتواكلوا في قتله؛ فدعا غلاما من بني كاهل، وكان ابن أخته وكالن حجر قتل أباه زوج أخت علباء، فقال: يا بنيّ، أعندك خير فتثأر بأبيك وتنال شرف الدهر وإنّ قومك لن يقتلوك؟!. فلم يزل بالغلام حتى حرّبه [2] ، ودفع إليه حديدة وقد شحذها وقال: أدخل عليه مع قومك ثم اطعنه في مقتله: فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها ثم دخل على حجر في قبّته التي حبس فيها. فلمّا رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله، فوثب القوم على الغلام. فقالت بنو كاهل: ثأرنا وفي أيدينا. فقال الغلام: إنما ثأرت بأبي، فخلّوا عنه. وأقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قوم! قتلتموه! ملك شهر، وذلّ دهر. أما واللّه لا تحظون عند الملوك بعده أبدا.

وصيته لبنيه عند موته:

قال ابن السّكّيت: ولما طعن الأسديّ حجرا ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع - وكان أكبر ولده - فإن بكى وجزع فاله عنه، واستقرهم واحدا واحدا حتى تأتي امرأ القيس - وكان أصغرهم - فأيّهم لم يجزع فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيّتي. وقد كان بيّن في وصيتّه من قتله وكيف كان خبره. فانطلق الرجل بوصيّته إلى نافع ابنه: فأخذ التراب فوضعه على رأسه. ثم استقراهم واحدا واحدا فكلّهم فعل ذلك، حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه بالنّرد؛ فقال له: قتل حجر. فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه. فقال له امرؤ القيس:/ إضرب فضرب. حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد عليك دستك. ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كلّه فأخبره. فقال: الخمر عليّ والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأجزّ نواصي [3] مائة. وفي ذلك يقول:

أرقت ولم يأرق لما بي نافع ... وهاج لي الشوق الهموم الروادع

وقال ابن الكلبيّ: حدّثني أبي عن ابن الكاهن الأسديّ: أنّ حجرا كان طرد امرأ القيس وآلى ألّا يقيم معه أنفة من قوله الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذّاذ العرب من طيّىء وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد فتصيّد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنّته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير ثم

[1] في الأصول: «و شاور القوم» .

[2] حربه: حرشه.

[3] يريد: حتى أقتل منهم مائة وآسر مائة. وكان من عادات العرب أنه إذا أسر الرجل منهم آخر وأراد أن يمن عليه جز ناصيته (و هي الشعر في مقدّم الرأس) وأطلقه، فتكون الناصية عنده فخرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت