منازل هند إذ تواصلني بها ... ليالي تسبيني [1] بمستطرف [2] الودّ
ينير ظلام الليل من حسن وجهها ... وتهدي بطيب الرّيح من جاء من نجد
-الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن الهشاميّ - فزففت [3] خلفها زفيف النّعامة، فما انجلت غشاوتي إلا وأنا بالمشاش [4] حسير [5] ، فأودعتها قلبي وخلّفته لديها، وأقبلت أهوي كالرّخمة [6] بغير قلب. فقال لي قنديل:
ما دفع أحد من المزدلفة أسعد منك، سمعت شعر ابن عمارة في غناء ابن سريج من رقطاء الحبطيّة؛ لقد أوتيت/ جزءا من النبوّة. قال: وكانت رقطاء هذه من أضرب الناس؛ فدخل رجل من أهل المدينة منزلها فغنّته صوتا.
فقال له بعض من حضر: هل رأيت قطّ أو ترى أفصح من وتر هذه؟ فطرب المدنيّ وقال: عليّ العهد إن لم يكن وترها من معي بشكست [7] النّحويّ، فكيف لا يكون فصيحا! وبشكست هذا كان نحويّا بالمدينة، وقتل مع الشّراة [8] الخارجين مع أبي حمزة صاحب عبد اللّه بن يحيى الكنديّ الشّاري المعروف بطالب الحقّ.
غناء ابن سريج مخلوق من قلوب الناس جميعا
قال محمد بن الحسن وحدّث [9] عن إسحاق عن أبيه أنه كان يقول:
غناء كلّ مغنّ مخلوق من قلب رجل واحد، وغناء ابن سريج مخلوق من قلوب الناس جميعا. وكان يقول:
الغناء على ثلاثة أضرب، فضرب مله [10] مطرب يحرّك ويستخفّ، وضرب ثان له شجا ورقّة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة.
قال: وكل هذا مجموع في غناء ابن سريج.
التقاء ابن سلمة الزهريّ والأخضر الجدّي ببئر الفصح وتغني ابن سلمة بغناء ابن سريج
قال العتّابيّ [11] وحدّثني زكريّا بن يحيى عن عبد اللّه بن محمد العثمانيّ قال: ذكر بعض أصحابنا الحجازيّين قال:
التقى ابن سلمة الزّهريّ والأخضر الجدّيّ [12] ببئر الفصح [13] ، فقال ابن سلمة: هل لك في الاجتماع نستمتع
[1] في ب: «تشبيني» تصحيف.
[2] مستطرف الودّ: مستحدثة.
[3] زففت: أسرعت.
[4] في «ياقوت» : المشاش بالضم، قال عرّام: ويتصل بجبال عرفات جبال الطائف وفيها مياه كثيرة أو شال وعظائم قنيّ منها المشاش، وهو الذي يجري بعرفات ويتصل إلى مكة.
[5] حسير: كالّ معى.
[6] الرخمة: طائر أبقع يشبه النسر في الخلقة، ويقال له لأنوق.
[7] كذا ضبط في ر. ولم نعثر على ضبطه في موضع آخر.
[8] الشراة: الخوارج؛ سموا بذلك لقولهم: إن شرينا أنفسنا في طاعة اللّه أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائزة، والواحد شار.
[9] في ح، ر: «قال محمد بن الحسين وحدّثنا محرز عن إسحاق الخ» .
[10] كذا في ت، ح، ر. وفي سائر النسح: «منه» .
[11] في ت: «الغياثي» .
[12] لا ندري أهو منسوب إلى جدّه البلدة المعروفة أم إلى الجدّ بفتح الجيم وكسرها، وكلاهما قد نسب إليه. ولم نطلع على نص يرجح أحد الاحتمالين.
[13] في ت: «الفصيح» . ولم نعثر عليه ولم نهتد إلى ضبطه.