يا أخت
ناجية السّلام عليكم ... قبل الرّحيل وقبل عذل العذّل
فغنّاه ابن سريج وبيده قضيب يوقع به وينكت، فو اللّه ما سمعت شيئا قطّ أحسن/ من ذلك. فقال جرير: [للّه درّكم] [1] يا أهل مكّة، ما أعطيتم! واللّه لو أنّ نازعا نزع [2] إليكم ليقيم بين أظهركم فيسمع هذا صباح مساء لكان أعظم الناس حظّا ونصيبا، فكيف ومع هذا بيت اللّه الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقّة ألسنتكم، وحسن شارتكم [3] ، وكثرة فوائدكم! أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن جدّه إبراهيم [4] قال:
الوليد بن عبد الملك وابن سريج
كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إليّ ابن سريج، فأشخصه. فلمّا قدم مكث أيّاما لا يدعو به ولا يلتفت إليه. قال: ثم إنه ذكره، فقال: ويلكم! أين ابن سريج؟ قالوا: هو حاضر. قال: عليّ به. فقالوا:
أجب أمير المؤمنين. فتهيّأ ولبس وأقبل حتى دخل عليه فسلّم. فأشار إليه أن اجلس، فجلس [بعيدا [4] ]. فاستدناه [فدنا [5] ] حتى كان منه قريبا، وقال: ويحك يا عبيد! لقد بلغني عنك ما حملني على الوفادة بك من كثرة أدبك وجودة اختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك. فقال: جعلت فداءك يا أمير المؤمنين! «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» . قال الوليد: إني لأرجو ألّا تكون أنت ذاك، ثم قال: هات ما عندك. فاندفع ابن سريج فغنّى بشعر الأحوص:
أ منزلتي سلمى على القدم اسلما ... فقد هجتما للشوق قلبا متيّما
وذكّرتما عصر الشّباب الذي مضى ... وجدّة وصل حبله قد تجذّما [6]
// وإني إذا حلّت ببيش [7] مقيمة ... وحلّ بوج [8] جالسا [9] أو تتهّما [10]
يمانية شطّت فأصبح نفعها ... رجاء وظنّا بالمغيب مرجّما
أحبّ دنوّ الدار منها وقد أبى ... بها صدع شعب [11] الدار إلّا تثلّما
[1] زيادة في ح، ر.
[2] نزع إليكم هنا: ذهب إليكم.
[3] الشارة: الهيئة واللباس.
[4] زيادة في ت.
[5] زيادة في ح، ر.
[6] تجذم: تقطع.
[7] لم نضبطه؛ لأنا لا ندري أهو بيش بفتح أوّله وسكون ثانيه وقد ذكره ياقوت وقال: إنه أحد مخاليف اليمن وفيه عدّة معادن، أم بيش بكسر أوّله من بلاد اليمن أيضا قرب دهلك.
[8] وج: اسم واد بالطائف بالبادية؛ سمى بوجّ بن عبد الحيّ من العمالقة.
[9] جالسا: آتيا الجلس وهو نجد؛ قال عبد اللّه بن الزبير:
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
أي ائت نجدا.
[10] تتهم: أتى تهامة.
[11] الشعب يطلق على التفرّق وعلى الاجتماع، يقال: التأم شعبهم إذا اجتمعوا بعد التفرّق، وتفرّق شعبهم إذا تفرّقوا بعد الاجتماع.
وفي ح، ر: «صدع شمل الدار» .