قلت في توبة، فأنشدته قولها:
فإن تكن القتلى بواء [1] فإنكم ... فتى ما قلتم آل عوف بن عامر
فتى كان أحيا من فتاة حييّة ... وأشجع من ليث بخفّان خادر
أتته المنايا دون درع حصينة ... وأسمر خطّيّ وجرداء ضامر
فنعم الفتى إن كان توبة فاجرا ... وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
فقال لها أسماء بن خارجة: أيتها المرأة إنك لتصفين هذا الرجل بشيء ما تعرفه العرب فيه. فقالت: أيها الرجل هل رأيت توبة قطّ؟ قال لا. فقالت: أما واللّه لو رأيته لوددت أنّ كلّ/ عاتق [2] في بيتك حامل منه؛ فكأنّما فقيء في وجه أسماء حبّ الرّمّان. فقال له الحجاج: وما كان لك ولها!.
وفاتها وكيف كانت:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد عن محمد بن عليّ بن المغيرة قال سمعت أبي يقول سمعت الأصمعيّ يذكر أنّ الحجّاج أمر لها بعشرة آلاف درهم، وقال لها: هل لك من حاجة؟ قالت: نعم أصلح اللّه الأمير، تحملني إلى ابن عمّي/ قتيبة بن مسلم، وهو على خراسان يومئذ فحملها إليه، فأجازها وأقبلت راجعة تريد البادية، فلمّا كانت بالرّيّ ماتت، فقبرها [3] هناك. هكذا ذكر الأصمعيّ في وفاتها وهو غلط. وقد أخبرني عمّي عن الحزنبل الأصبهانيّ عمّن أخبره عن المدائنيّ، وأخبرني الحسن بن عليّ عن ابن مهديّ عن ابن أبي سعد عن محمد بن الحسن النّخعيّ عن ابن الخصيب الكاتب، واللّفظ في الخبر للحزنبل، وروايته أتمّ:
أنّ ليلى الأخيليّة أقبلت من سفر، فمرّت بقبر توبة ومعها زوجها وهي في هودج لها. فقالت: واللّه لا أبرح حتى أسلّم على توبة، فجعل زوجها يمنعها من ذلك وتأبى إلّا أن تلمّ به. فلمّا كثر ذلك منها تركها، فصعدت أكمة عليها قبر توبة، فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حوّلت وجهها إلى القوم فقالت: ما عرفت له كذبة قطّ قبل هذا.
قالوا: وكيف؟ قالت: أليس القائل:
صوت
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني [4] تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا [5] ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وأغبط من ليلى بما لا أناله ... ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
فما باله لم يسلّم عليّ كما قال!. وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة، فلمّا رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت
[1] وردت هذه الأبيات في قصيدة تقدّمت (صفحة 224 وما بعدها. فليراجع الكلام عليها هناك) .
[2] العاتق: الشابة.
[3] في «ب، س» : «فقبرت هناك» .
[4] في «ج» : «و فوقي» . ويروى «جندل» بدل «تربة» .
[5] زقا: صاح. والصدى هنا: طائر كالبومة كانت العرب تزعم أنه يخرج من رأس القتيل ويصيح اسقوني اسقوني حتى يؤخذ بثأره.