يهدّدني القعقاع في غير كنهه ... فقلت له بكر إذا رمتني ترسي
كأنّا وأيّاكم إذا الحرب بيننا ... أسود عليها الزّعفران مع الورس [1]
ترى كمصابيح الدّياجي وجوهنا ... إذا ما لقينا والهرقليّة [2] الملس
هناك السّعود السانحات جرت لنا ... وتجري لكم طير البوارح بالنّحس
وما أنت يا قعقاع إلّا كمن مضى ... كأنك يوما قد نقلت إلى الرّمس
أظنّ بغال البرد تسري إليكم ... به غطفانيّا وإلّا فمن عبس
وإلّا فبالبسّال [3] يا لك إن سرت ... به غير مغموز القناة ولا نكس [4]
فعمّالنا أوفى وخير بقيّة ... وعمّالكم أهل الخيانة واللّبس
وما لبني عمرو عليّ هوادة ... ولا للرّباب غير تعس من التّعس
/ قال: فلمّا انتهت هذه القصيدة إلى القعقاع وجّه برسول إلى أبي جلدة، وقال: انظر، فإن كان كتب هذا الكتاب بالغداة فاعزله، وإن كان كتبه باللّيل فأقرره على عمله ولا تعزله ولا تضربه. وكان أبو جلدة صاحب شراب، فقال للرسول: واللّه ما كتبته إلّا بالعشيّ. فسأله البيّنة على ذلك فأتاه بأقوام شهدوا له بما قال، فأقرّه على عمله وانصرف عنه.
شبب ببنت دهقان فأهدى له ليترك ذكرها:
قال ابن حبيب: ومرّ أبو جلدة بقصر من قصور بست ينزله رجل من الدّهاقين، فرأى ابنته تشرف من أعلى القصر، فأنشأ يقول:
إنّ في القصر ذي الخبا بدرتمّ ... حسن الدّلّ للفؤاد مصيبا
ولعا بالخلوق [5] يأرج منه ... ريح رند إذا استقلّ منيبا [6]
يلبس الخزّ والمطارف والق ... زّ وعصبا من اليماني قشيبا
ورأيت الحبيب يبرز كفّا ... ما رآه [7] المحبّ إلّا خضيبا
فبلغ ذلك من قوله الدّهقان، فأهدى له وبرّه وسأله ألّا يذكر ابنته في شعر بعد ذلك.
لحقه ضيم فلم يمنعه قومه فهتف بمسمع بن مالك وآخرين فسعى له قومه:
[1] الزعفران: صبغ أصفر. والورس: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب.
[2] دياجي الليل: حنادسه (ظلماته) كأنه جمع ديجاة. والهرقلية: الدنانير، نسبة إلى هرقل ملك الروم.
[3] كذا في «ب، س» . وفي «أ، م» : «و إلا فيا لستال» . وفي «ح» : هكذا: «و إلا بنا لتسال» . ولم نهتد إلى وجه الصواب فيه.
[4] غمز القناة: عصرها وتليينها. وإباء القناة أن تلين للغامز يراد به القوة وعدم الانقياد. والنكس: الضعيف.
[5] الخلوق: ضرب من الطيب مائع فيه صفرة لأن أعظم أجزائه من الزعفران. يأرج: يفيح وينتشر. والرند: شجر طيب الرائحة، وقيل هو العود أو الآس.
[6] استقل هنا: نهض. ومنيبا: راجعا.
[7] كذا في «الأصول» . وتذكير «الكف» غلط أو لغة قليلة.