صوت
ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إليّ فهلّا نفس [1] ليلى شفيعها
-ولحنه ثاني ثقيل - فقال له إسحاق: أحسنت واللّه يا أبا الحسن! أحسنت ما شئت!. فقام علّويه من مجلسه فقبّل رأس إسحاق وعينيه وجلس بين يديه وسرّ بقوله سرورا شديدا، ثم قال: أنت سيدي وابن سيّدي، وأستاذي وابن أستاذي، ولي إليك حاجة. قال: قل، فو اللّه إني أبلغ فيها ما تحبّ. قال: أيّما أفضل عندك/ أنا أو مخارق؟
فإني أحبّ أن أسمع منك في هذا المعنى قولا يؤثر ويحكيه عنك من حضر، فتشرّفني [2] به. فقال إسحاق: ما منكم إلّا محسن مجمل، فلا ترد أن ترى في هذا شيئا. قال: سألتك بحقّي عليك وبتربية أبيك وبكلّ حقّ تعظّمه إلّا حكمت. فقال: ويحك! واللّه لو كنت أستجيز أن أقول غير الحق لقلته فيما تحبّ، فأمّا إذا أبيت إلّا ما ذكرت فهاك ما عندي: فلو خيّرت أنا من يطارح جواريّ أو يغنّيني لما اخترت غيرك، ولكنّما إذا غنّيتما بين يدي خليفة أو أمير غلبك على إطرابه واستبدّ عليك بجائزته. فغضب علّويه وقام وقال: أفّ من رضاك ومن غضبك!.
شاع له صوت كان الناس يظنونه لإسحاق:
حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال:
قدمت من سرّ من رأى قدمة إلى بغداد،/ فلقيت أبا محمد إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، فجعل يسألني عن أخبار الخليفة وأخبار الناس حتّى انتهى إلى ذكر الغناء، فقال: أيّ شيء رأيت الناس يستحسونه في هذه الأيّام من الأغاني، فإنّ الناس ربما لهجوا بالصوت بعد الصوت؟ فقلت: صوتا من صنعتك. فقال: أيّ شيء هو؟ فقلت:
صوت
ألا يا حمامي قصر دوران [3] هجتما ... بقلبي الهوى لمّا تغنّيتما ليا
وأبكيتماني وسط صحبي ولم أكن ... أبالي دموع العين لو كنت خاليا
فضحك وقال: ليس هذا لي، هذا لعلويه، ولقد لعمري أحسن فيه وجوّد ما شاء.
لحن علّويه في هذين البيتين ثاني ثقيل بالوسطى.
أتاه بعض أصحابه فأطعمهم وغناهم ألحانا له:
حدّثني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو قال حدّثني أحمد بن محمد بن عبد اللّه الأبزاريّ قال:
أتيت علّويه يوما بالعشيّ، فوجدت عنده خاقان بن حامد وعبد اللّه بن صالح صاحب المصلّى، وكنت حملت
[1] هلا التي للتحضيض يليها الفعل؛ ولذلك تأوّل النحويون هذا البيت، فقيل هو على تقدير «كان» التي اسمها ضمير الشأن، وجملة «نفس ليلى شفيعها» خبرها. وقيل: «نفس ليلى» فاعل لفعل محذوف، والتقدير فهلا شفعت نفس ليلى، ويكون شفيعها خبرا لمحذوف، والتقدير: هي شفيعها أي نفسها شفيعها. على أن بعض النحويين يجيز مجيء الجمل الاسمية بعد أدوات التحضيض مستدلا بهذا البيت.
[2] في «ب، س» : «فشرفني به» .
[3] دوران: موضع خلف جسر الكوفة كان به قصر لإسماعيل القسري أخي خالد بن عبد اللّه القسري أمير الكوفة. (عن «معجم البلدان» لياقوت) .