قدم عقيل بن علّفة المدينة فنزل على ابن بنته يعقوب بن سلمة المخزوميّ، فمرض وأصابه القولنج [1] ، فنعتت له الحقنة، فأبى. وقدم ابنه عليه فبلغه ذلك، فقال:
لقد سرني واللّه وقّاك شرّها ... نجاؤك منها حين جاء يقودها
كفى خزية ألّا تزال مجبّيا [2] ... على شكوة [3] توكى وفي استك عودها
شد على ابنه علفة بالسيف فحاد عنه وقال في ذلك شعرا
أخبرني عبيد اللّه بن محمد الرازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدّثنا عليّ بن محمد عن زيد بن عياش التغلبي والربيع بن ثميل قالا:
غدا عقيل بن علّفة على أفراس له عند بيوته فأطلقها ثم رجع، فإذا بنوه مع بناته وأمّهم مجتمعون، فشدّ على عملّس فحاد عنه،/ وتغنى علّفة فقال:
قفي يابنة المرّيّ أسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتنا قبل
نخبّرك إن لم تنجزي الوعد أننا ... ذوا خلة لم يبق بينهما وصل
فإن شئت كان الصّرم ما هبّت الصبا ... وإن شئت لا يفنى التكارم والبذل
/ فقال عقيل: يا بن اللّخناء [4] ، متى منّتك نفسك هذا! وشدّ عليه بالسيف - وكان عملّس أخاه لأمه - فحال بينه وبينه، فشدّ على عملّس بالسيف وترك علّفة لا يلتفت إليه [5] ، فرماه بسهم، فأصاب ركبته؛ فسقط عقيل وجعل يتمعّك [6] في دمه ويقول:
إنّ بنىّ سربلوني [7] بالدّم ... من يلق أبطال [8] الرجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوّم ... شنشنة [9] أعرفها من أخزم
قال المدائني: «شنشنة أعرفها من أخزم» مثل ضربه. وأخزم: فحل كان لرجل من العرب، وكان منجبا، فضرب في إبل رجل آخر - ولم يعلم صاحبه - فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال: شنشنة أعرفها من أخزم [10] .
[1] القولنج: مرض معويّ.
[2] كذا في ب، س، ط، م. وفي ج «مجنبا» ، وفي ف «محببا» ، تصحيف، يقال: جبى فلان؛ إذا أكب على وجهه باركا.
[3] الشكوة: القربة الصغيرة. وتوكى: تربط.
[4] اللخناء؛ من اللخن، (بالتحريك) ، وهو النتن.
[5] كذا في ف، وفي سائر الأصول: «عليه» .
[6] يتمعك في دمه: يتمرغ.
[7] رواية «اللسان» مادة شنن: «زملوني» .
[8] رواية «اللسان» : «آساد» .
[9] الشنشنة: الخليقة.
[10] المثل في «اللسان» منسوب إلى أبي أخزم الطائيّ، قال: «قال ابن بري: كان أخزم عاقا لأبيه فمات وترك ابنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال ذلك» .