كان أخوان من فزارة يخفران قرية بين آمد وسميساط، يقال لها تلّ حوم، فطال مقامهما بها حتّى أثريا، فحسدهما قوم من ربيعة، وقالوا: يخفران هذان الضياع في بلدنا! فجمعوا لهما جمعا، وساروا إليهما، فقاتلوهما، فقتل أحدهما، وعلى الجزيرة يومئذ عبد الملك بن صالح الهاشمي، فشكا القيسيّ أمره إلى وجوه قيس، وعرّفهم قتل ربيعة أخاه، وأخذهم ماله. فقالوا له: إذا جلس الأمير فادخل إليه. ففعل ذلك، ودخل على عبد الملك، وشكا ما لحقه، ثم قال له: وحسب الأمير أنّهم لما قتلوا أخي وأخذوا مالي قال قائل منهم:
اشربا ما شربتما إنّ قيسا ... من قتيل وهالك وأسير
لا يحوزنّ أمرنا مضريّ ... بخفير ولا بغير خفير
فقال عبد الملك: أتندبني [1] : إلى العصبية؟ وزبره [2] ، فخرج الرّجل مغموما، فشكا ذلك إلى وجوه قيس، فقالوا: لا ترع، فو اللّه لقد قذفتها في سويداء قلبه، فعاوده. فعاوده في المجلس الآخر، فزبره، وقال له قوله الأوّل، فقال له:
إنّي لم آتك/ أندبك للعصبيّة، وإنّما جئتك مستعديا [3] ، فقال له: حدّثني كيف فعل القوم؟ فحدّثه وأنشده، فغضب فقال: كذب [4] لعمري، ليحوزنّها. ثم دعا بأبي عصمة أحد قواده، فقال: اخرج فجرّد السيف في ربيعة، فخرج وقتل منها مقتلة عظيمة، فقال كلثوم بن عمرو العتّابيّ قصيدته الّتي أوّلها:
ماذا شجاك بحوّارين من طلل ... ودمنة كشفت عنها الأعاصير [5]
يقول فيها:
هذي يمينك في قرباك صائلة ... وصارم من سيوف الهند مشهور
إن كان منّا ذوو إفك ومارقة ... وعصبة دينها العدوان والزّور
فإنّ منّا الّذي لا يستحثّ إذا ... حثّ الجياد وضمتها المضامير
مستنبط عزمات القلب من فكر ... ما بينهنّ وبين اللّه معمور
/ يعني عبد اللّه بن هشام بن بسطام التغلبي، وكان قد أخذ قوّادهم.
شعر العتابي يجعل عبد الملك يأمر بالكف عن قتال ربيعة
فبلغت القصيدة عبد الملك، فأمر أبا عصمة بالكفّ عنهم، فلما قدم الرّشيد الرّافقة أنشده عبد الملك القصيدة، فقال: لمن هذه؟ فقال: لرجل من بني عتاب يقال له كلثوم بن عمرو، فقال: وما يمنعه أن يكون ببابنا.
فأمر بإشخاصه من رأس [6] عين، فوافى الرشيد وعليه قميص غليظ، وفروة وخفّ، وعلى كتفه ملحفة جافية بغير سراويل، فلما رفع الخبر بقدومه أمر الرشيد بأن تفرش له حجرة، وتقام له وظيفة، ففعلوا، فكانت المائدة إذا قدّمت إليه أخذ منها رقاقة وملحا وخلط الملح بالتّراب فأكله بها، فإذا كانت وقت النوم نام على الأرض والخدم يتفقّدونه، ويتعجبون من/ فعله.
[1] أتندبني: أتحثني وتدعوني.
[2] زبره: زجره وانتهره.
[3] مستعديا: مستنصرا مستعينا.
[4] في س: «كذبت» والسياق يقتضي حذف التاء.
[5] حوارين بضم أوله وتشديد الواو وكسر الراء وياء ساكنة: قرية من قرى حلب. وضبطها في «القاموس» بفتح الحاء. الدمنة: واحدة الدمن، وهي آثار الدار.
[6] رأس عين: مدينة كبيرة من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين.