الذّهلي عن أبيه قال: قال لي محمّد بن الحهم البرمكي: قال لي المأمون يوما: يا محمّد: أنشدني بيتا من المديح جيّدا فاخرا عربيا لمحدث حتى أولّيك كورة تختارها. قال قلت: قول علي بن الخليل:
فمع السماء فروع نبعتهم ... ومع الحضيض منابت الغرس [1]
متهلّلين على أسرّتهم ... ولدى الهياج مصاعب شمس [2]
/فقال: أحسنت، وقد ولّيتك الدّينور، فأنشدني بيت هجاء على هذه الصفة حتى أولّيك كورة أخرى، فقلت: قول الّذي يقول:
قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر [3]
فقال: قد أحسنت، قد ولّيتك همذان، فأنشدني مرثية على هذا حتى أزيدك كورة أخرى، فقلت: قول الّذي يقول:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه ... فطيب تراب القبر دل على القبر
فقال: قد أحسنت، قد ولّيتك نهاوند، فأنشدني بيتا من الغزل على هذا الشرط حتى أولّيك كورة أخرى، فقلت: قول الّذي يقول:
تعالي نجدّد دارس العلم [4] بيننا ... كلانا على طول الجفاء ملوم
فقال: قد أحسنت، قد جعلت الخيار إليك فاختر، فاخترت السّوس من كور الأهواز، فولاني ذلك أجمع، ووجّهت إلى السوس بعض أهلي.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمّد بن يزيد، عن التّوّزيّ قال: نزل أبو دلامة بدهقان [5] يكنى أبا بشر، فسقاه شرابا أعجبه، فقال في ذلك:
سقاني أبو بشر من الراح شربة ... لها لذّة ما ذقتا لشراب
وما طبخوها غير أنّ غلامهم ... سعى في نواحي كرمها بشهاب [6]
قال: فأنشد علي بن الخليل هذين البيتين فقال: أحرقه العبد أحرقه اللّه.
تهنئة يزيد بن مزيد بمولوده
أخبرني الحسن بن علي، وعمي الحسن بن محمّد، قالا: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني محمّد بن عمران
[1] النبعة: واحدة النبع، وهو شجر للقسي والسهام. والحضيض: القرار في الأرض.
[2] تهلل الوجه: تلألأ. ومصاعب: جمع مصعب (بضم الميم وفتح العين) ، وهو الفحل الّذي لم يمسسه حبل ولم يركب. ورجل مصعب: مسوّد. وشمس: جمع شموس كصبور من شمس الفرس: إذا منع ظهره. «و متهللين» و «مصاعب شمس» نعوت لعترة في قوله «من عترة طابت أرومتهم» . والبيتان من قصيدته السينية السابقة، وقد ورد البيت الأول ضمن أبياتها في «أمالي المرتضى» ، وأوله: «فوق النجوم» .
[3] هذا البيت والّذي يليه لمسلم بن الوليد الأنصاري.
[4] كذا في الأصول: ولعله «الوصل» أو «العهد» كما يرشد إليه ما يأتي بعد من قوله: «على طول الجفاء» .
[5] الدهقان: رئيس الإقليم، فارسيّ معرّب.
[6] الشهاب: شعلة من نار ساطعة، شبه به الخمر.