فقدمها، وأصحبه المنصور قوما يعاب بصحبتهم مجّانا زنادقة: منهم حمّاد عجرد، وحمّاد بن يحيى، ونظراء لهم، ليغضّ منه ويرتفع ابنه المهديّ عند الناس، وكان محمّد بن أبي العباس محمّقا، فكان يغلّف لحيته إذا ركب بأواق من الغالية، فتسيل على ثيابه فيصير شهرة،/ فلقّبه أهل البصرة أبا الدّبس؛ قال ولمّا أقام بالبصرة مدّة قال لأصحابه: قد عزمت على أن أعترض أهل البصرة بالسيف في يوم الجمعة، فأقتل كلّ من وجدت، لأنّهم خرجوا مع إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن، فقالوا له: نعم، نحن نفعل ذلك، لما يعرفونه منه، ثم جاءوا إلى أمّه سلمة [1] بنت أيوب بن سلمة المخزوميّة فأعلموها بذلك، وقالوا: واللّه لئن همّ بها ليقتلنّ ولنقتلنّ معه، فإنما نحن في أهل البصرة أكلة رأس، فخرجت إليه وكشفت عن ثدييها وأقسمت عليه بحقّها حتى كفّ عمّا كان عزم عليه.
أدّبه محمّد بن أبي العباس
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال: حدّثني أبي عن إسحاق الموصلي قال: كان حمّاد عجرد في ناحية محمّد بن أبي العبّاس السفّاح، وهو الذّي أدّبه، وكان محمّد يهوى زينب بنت سليمان [2] بن علي، وكان قد قدم البصرة أميرا عليها من قبل عمّه أبي جعفر، فخطبها، فلم يزوّجوه لشيء كان في عقله، وكان حمّاد وحكم الوادي ينادمانه، فقال محمّد لحمّاد: قل فيها شعرا، فقال حمّاد فيها على لسان محمّد بن أبي العبّاس، وغنّى فيه حكم الوادي:
صوت
زينب ما ذنبي وماذا الّذي ... غضبتم منه ولم تغضبوا [3]
واللّه ما أعرف لي عندكم ... ذنبا ففيم الهجر يا زينب؟
إن كنت قد أغضبتكم ضلّة ... فاستعتبوني إنني أعتب [4]
عودوا على جهلي بأحلامكم ... إني - وإن لم أذنب - المذنب
/ الغناء لحكم في هذه الأبيات خفيف ثقيل، الأوّل بالوسطى عن عمرو والهشاميّ وفيه هزج/ يقال: إنه لخليد بن عبيد الواديّ، ويقال لعريب.
نسيب محمّد بن أبي العباس بزينب بنت سليمان
أخبرني محمّد بن يحيى الصّولي قال: حدّثنا الحسين بن يحيى أبو الجمان الكاتب قال: حدّثني عمرو بن بانة قال: كان لمحمّد بن أبي العبّاس السّفّاح شعر في زينب، وغنّى فيه حكم الوادي:
-المنصور، فقتل محمّد بن عبد اللّه وحمل رأسه إلى المنصور سنة 145 ه. ثم خرج أخوه إبراهيم بن عبد اللّه ومضى إلى البصرة ودعا إلى نفسه، فأرسل إليه المنصور عيسى بن موسى بعد رجوعه من قتل أخيه، فالتقوا بقرية يقال لها باخمرى قريبة من الكوفة، فكانت الغلبة لعسكر المنصور أيضا وقتل إبراهيم في المعركة سنة 145 ه.
[1] كذا في جميع الأصول. والّذي في «مختار الأغاني» ص 427 «أم سلمة» .
[2] هو سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس عم المنصور.
[3] ولم تغضبوا، أي لم آت ما يستوجب غضبكم.
[4] الضلة: الضلال. استعتبه: أعطاه العتبى وهي الرضا. وأعتبني فلان: ترك ما كنت أجد عليه من أجله، ورجع إلى ما أرضاني عنه بعد إسخاطه إياي عليه.