بصبص. قال: فحدا به ليلة، فلما أصبح قال: يا ربيع أعطه درهما. فقال له: يا أمير المؤمنين؛ حدوت بهشام بن عبد الملك، فأمر لي بعشرين ألف درهم وتأمر أنت بدرهم! قال: إنّا للّه! ذكرت ما لم نحبّ [1] أن تذكره؛ ووصفت أنّ رجلا ظالما أهذ مال اللّه من غير حلّه؛ وأنفقه في غير حقّه يا ربيع، اشدد، يديك به حتّى يردّ المال. فبكى الحادي، وقال: يا أمير المؤمنين قد مضت لهذا السّنون [2] وقضيت به الديون، وتمزّقته النّفقات؛ ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي عندي منه شيء. فلم يزل أهله وخاصته يسألونه حتّى كفّ عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهبا وراجعا، ولا يأخذ منه شيئا.
فشل بصبص في محاولتها أخذ درهم من مزبد:
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: حدّثني القاسم بن زيد المدينيّ؛ قال:
/ اجتمع ذات يوم عند بصبص جارية ابن نفيس عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ [3] ومحمد بن عيسى الجعفريّ، في أشراف من أهل المدينة،/ فتذاكروا مزبّدا المدينيّ صاحب النوادر وبخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم منه درهما.
فقال لها مولاها: أنت حرّة لئن فعلت إن لم أشتر لك مخنقة [4] بمائة ألف دينار وإن لم أشتر لك ثوب وشي بما شئت؛ وأجعل لك مجلسا [5] بالعقيق أنحر لك فيه بدنة لم تقتب [6] ولم تركب. فقالت: جيء به وارفع عني الغيرة.
فقال: أنت حرّة أن لو رفع برجليك لأعنته على ذلك. فقال عبد اللّه بن مصعب: فصلّيت الغداة في مسجد المدينة، فإذا أنا به، فقلت: أبا إسحاق، أما تحبّ أن ترى بصبص جارية ابن نفيس؟ فقال: امرأته طالق [7] إن لم يكن اللّه ساخطا عليّ فيها، وإن لم أكن أسأله أن يرينيها منذ سنة فما يفعل. فقلت له: اليوم إذا صلّيت العصر فوافني ههنا.
قال: امرأته طالق إن برحت من ههنا حتّى تجيء صلاة العصر. قال: فتصرّفت [8] في حوائجي حتّى كانت العصر، ودخلت المسجد فوجدته فيه، فأخذت بيده وأتيتهم به، فأكلوا وشربوا، وتساكر القوم وتناوموا، فأقبلت بصبص على مزبّد، فقالت: أبا إسحاق، كأنّ في نفسك تشتهي أن أغنّيك الساعة:
لقد حثّوا الجمال ليه ... - ربوا منّا فلم يئلوا [9]
/فقال: زوجته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللّوح المحفوظ! قال: فغنّته ساعة ثم مكثت ساعة فقالت:
أبا إسحاق كأنّ في نفسك تشتهي أن تقوم من مجلسك فتجلس إلى جانبي فتقرصني قرصات، وأغنّيك.
قالت وقد أبثثتها وجدي فبحت به [10] ... قد كنت قدما تحبّ السّتر فاستتر
[1] ط، مب، مط: «يجب» .
[2] ما عدا ط، مب، مط: «هذه السنون» .
[3] هذه الكلمة من ط، مب، مط فقط.
[4] المخنقة: القلادة.
[5] العقيق: موضع بالمدينة.
[6] البدنة: واحدة الإبل والبقر، تطلق على الذكر والأنثى. والإقتاب: شد القتب على البعير، وهو الرحل على قدر سنامه.
[7] ط، ح، مب، مط: «فقال امرأته الطلاق» .
[8] ما عدا ط، ح، مب، مط: «فانصرفت» .
[9] وأل يئل: نجا.
[10] ما عدا ط، مب، مط: «أبحت به» .