أ لست تبصر من حولي فقلت لها ... غطّى هواك وما ألقى على بصري
فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام وما تكسب الأنفس غدا، وبأيّ أرض تموت! فغنّته ثم قالت: برح الخفاء [1] ، أنا أعلم أنّك تشتهي أن تقبّلني شقّ التّين وأغنّيك هزجا:
أنا أبصرت بالليل ... غلاما حسن الدّلّ
كغصن البان قد أص ... - بح مسقيا من الطل
لم يذكر صانعه، وهو هزج على ما ذكر.
فقال: أنت نبيّة مرسلة! فغنته ثم قالت: أبا إسحاق، أرأيت أسقط من هؤلاء! يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون ريحانا بدرهم، أي أبا إسحاق؛ هلمّ درهما نشتري به ريحانا! فوثب وصاح: واحرباه [2] ، أي زانية، أخطأت استك الحفرة [3] ، انقطع واللّه عنك الوحي الذي كان يوحى إليك! وعطعط القوم بها [4] ، وعلموا أنّ حيلتها لم تنفذ عليه، ثمّ خرجوا فلم يعد إليها، وعاود القوم مجلسهم، فكان أكثر شغلهم فيه حديث مزبّد معها والضّحك منه.
شعر ابن أبي الزوائد في بصبص:
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أنشدني الزبير بن بكّار، قال: أنشدني غرير بن طلحة لابن أبي الزوائد - وهو ابن ذي الزوائد - في بصبص:
بصبص أنت الشمس مزدانة ... فإن تبذّلت فأنت الهلال
سبحانك اللّهمّ ما هكذا ... فيما مضى كان يكون الجمال
/ إذا دعت بالعود في مشهد ... وعاونت يمنى يديها الشّمال
غنّت غناء يستفزّ الفتى ... حذقا وزان الحذق منها الدلّال
قال هارون: قال الزّبير: وأنشدني غرير أيضا لنفسه يهجو مولاها:
يا ويح بصبص من يحيى [5] لقد رزقت ... وجها قبيحا وأنفا من جعاميس [6]
يمجّ من فيه في فيها إذا هجعت ... ريقا خبيثا كأرواح الكرابيس [7]
[1] برح، كسمع. وهو مثل لظهور الأمر وانكشافه.
[2] الحرب: أن يسلب الرجل ماله كله.
[3] يضرب لمن رام شيئا فلم ينله. «مجمع الأمثال» .
[4] عطعط به: صاح.
[5] س: «من حي» .
[6] الجعاميس: جمع جعموس، وهو ما يطرحه الإنسان من ذي بطنه.
[7] أرواح: جمع ريح. والكراييس: جمع كرياس، وهو الكنيف الذي يكون مشرفا على سطح بقناة من الأرض. قال الأزهري: سمي كرياسا لما يعلق به من الأقذار فيركب بعضه بعض ويتكرس مثل الدمن. «اللسان» (كرس) و «معجم استينجاس» 1026 و «الحيوان» (5: 468) و «عيون الأخبار» (3: 230) .