فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 6876

يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه، فإذا تنحّوا عنه جاء فأكل منه. قال: فسألتهم أن يدلّوني عليه، فدلّوني على فتى من الحيّ صديقا له وقالوا: إنه لا يأنس إلا به ولا يأخذ أشعاره عنه غيره، فأتيته فسألته أن يدلّني عليه؛ فقال: إن كنت تريد شعره فكلّ شعر قاله إلى أمس عندي، وأنا ذاهب إليه غدا فإن كان قال شئيا أتيتك به؛ فقلت: بل [أريد [1] أن] تدلّني عليه لآتيه؛ فقال لي: إنه إن نفر منك نفر منّي فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلّني عليه؛ فقال اطلبه في هذه الصحاري [فإذا رأيته] [1] فادن [منه] [1] مستأنسا ولا تره أنك تهابه، فإنه يتهدّدك ويتوعّدك/ أن يرميك بشيء، فلا يروعنّك واجلس صارفا بصرك عنه والحظه أحيانا، فإذا رأيته قد سكن من نفاره فأنشده شعرا غزلا، وإن كنت تروي من شعر قيس بن ذريح شيئا فأنشده إياه فإنه معجب به؛ فخرجت فطلبته يومي إلى العصر فوجدته جالسا على رمل قد خطّ فيه بأصبعه خطوطا، فدنوت منه غير منقبض، فنفر منّي نفور الوحش من الإنس، وإلى جانبه أحجار فتناول حجرا فأعرضت عنه، فمكث ساعة كأنه نافر يريد القيام، فلمّا طال جلوسي سكن وأقبل يخطّ بأصبعه، فأقبلت عليه وقلت: أحسن واللّه قيس بن ذريح حيث يقول:

ألا يا غراب البين ويحك نبّني ... بعلمك في لبنى وأنت [2] خبير

فإن أنت لم تخبر بشيء علمته ... فلا طرت [3] إلا والجناح كسير

/ ودرت بأعداء حبيبك فيهم ... كما قد تراني بالحبيب أدور

فأقبل عليّ وهو يبكي فقال: أحسن واللّه، وأنا أحسن منه قولا حيث أقول:

كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح

قطاة عزّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح

فأمسكت عنه هنيهة، ثم أقبلت عليه فقلت: وأحسن واللّه قيس بن ذريح حيث يقول:

وإني لمفن دمع عينيّ بالبكا ... حذارا لما قد كان أو هو كائن

وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن

وما كنت أخشى أن تكون منيّتي ... بكفّيك إلا أن من [4] حان حائن

/ قال: فبكى - واللّه - حتى ظننت أنّ نفسه قد فاضت، وقد رأيت دموعه قد بلّت الرمل الذي بين يديه، ثم قال: أحسن لعمر اللّه، وأنا واللّه أشعر منه حيث أقول:

صوت

وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحلّ العصم [5] سهل الأباطح

[1] زيادة في ت.

[2] كذا في ت، ب. وفي سائر النسخ: «فأنت» بالفاء وقد اتفقت جميع النسخ في الروايات الآتية للبيت على الواو.

[3] كذا في أغلب النسخ. وفي س: «فلا عشت» .

[4] كذا وقع هذا الشطر في جميع النسخ، وقد ورد في «الديوان» هكذا: «يكفّي إلا أن ما حان حائن» .

[5] العصم: جمع أعصم وهو الوعل الذي في ذراعيه بياض. والوعل: تيس الجبل. يريد أن قولها يخلب العصم ويستنزلها من الجبال وهي مساكنها الى الأباطح السهلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت