فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 6876

أكرمه وأنزله في داره، فمكث معه ما شاء اللّه أن يمكث، ثم إن أوسا قال له: يابن خال، أتريد المقام عندي وفي داري؟ فقال له أيّوب: نعم، فقد علمت أني إن أتيت قومي وقد أصبت فيهم دما لم أسلم، وما لي دار إلا دارك آخر الدهر؛ قال أوس: إني قد كبرت وأنا خائف أن أموت فلا يعرف ولدي لك من الحقّ مثل ما أعرف، وأخشى أن يقع بينك وبينهم أمر يقطعون فيه الرّحم، فانظر أحبّ مكان في الحيرة إليك فأعلمني به لأقطعكه أو أبتاعه لك؛ قال:

وكان لأيوب صديق في الجانب الشرقيّ من الحيرة، وكان منزل أوس في الجانب الغربيّ، فقال له: قد أحببت أن يكون المنزل الذي تسكننيه عند منزل عصام بن عبدة أحد بني الحارث بن كعب؛ فابتاع له موضع داره بثلاثمائة أوقية من ذهب وأنفق عليها مائتي أوقية ذهبا. وأعطاه مائتين من الإبل برعائها وفرسا وقينة؛ فمكث في منزل أوس حتى هلك، ثم تحوّل إلى داره التي في شرقيّ الحيرة فهلك بها. وقد كان أيوب اتصل قبل مهلكه بالملوك الذين كانوا بالحيرة وعرفوا حقّه وحقّ ابنه زيد بن أيوب، وثبت أيوب فلم يكن منهم ملك يملك إلا ولولد أيوب منه جوائز وحملان [1] .

مقتل زيد بن أيوب

ثم إنّ زيد بن أيوب نكح امرأة من آل قلّام فولدت له حمّادا، فخرج زيد بن أيوب/ يوما من الأيام يريد الصيد في ناس من أهل الحيرة وهم منتدون [2] بحفير - المكان الذي يذكره عديّ بن زيد في شعره - فانفرد في الصيد وتباعد من أصحابه، فلقيه رجل من بني امرىء القيس الذين كان لهم الثأر قبل أبيه، فقال له - وقد عرف فيه شبه أيوب -: ممّن الرجل؟ قال: من بني تميم، قال: من أيّهم؟ قال: مرئيّ [3] ؛ قال له الأعرابيّ: وأين منزلك؟

قال: الحيرة؛ قال أمن بني أيوب أنت؟ قال: نعم، ومن أين تعرف بني أيوب؟ واستوحش من الأعرابيّ وذكر الثأر الذي هرب أبوه منه؛ فقال له: سمعت بهم، ولم يعلمه أنه قد عرفه؛ فقال له زيد بن أيوب: فمن أيّ العرب أنت؟

قال: أنا امرؤ من طيء؛ فأمنه زيد وسكت عنه، ثم إن الأعرابيّ اغتفل [4] زيد بن أيوب فرماه بسهم فوضعه بين كتفيه ففلق قلبه، فلم يرم [5] حافر دابته حتى مات؛ فلبث أصحاب زيد حتى إذا كان الليل طلبوه وقد افتقدوه وظنّوا أنه قد أمعن في طلب الصيد، فباتوا يطلبونه حتى يئسوا منه، ثم غدوا في طلبه فاقتفوا أثره حتى وقفوا عليه ورأوا معه أثر راكب يسايره فاتبعوا الأثر حتى وجدوه قتيلا، فعرفوا أن صاحب الراحلة قتله، فاتبعوه وأغدّوا السير فأدركوه مساء الليلة الثانية، فصاحوا به وكان من أرمى الناس فامتنع منهم بالنّبل حتى حال الليل بينهم وبينه وقد أصاب رجلا منهم في مرجع [6] كتفيه بسهم فلما أجنّه الليل مات وأفلت الرامي، فرجعوا وقد قتل زيد بن أيوب ورجلا [7] آخر معه من بني الحارث بن كعب.

[1] الحملان بالضم: ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة.

[2] انتدى القوم: اجتمعوا. وحفير: موضع بالحيرة ذكره البكري في «معجم ما استعجم» وأنشد عليه قول عديّ بن زيد:

قد أرانا وأهلنا بحفير ... نحسب الدهر والسنين شهورا

[3] نسبة إلى امرىء القيس، ويقال في النسبة إليه: «امرئىّ» أيضا.

[4] كذا في أغلب الأصول ولم نجد في معاجم اللغة التي بأيدينا اغتفل فلانا بمعنى تغفله أو استغفله. وفي م: «اعتقل» .

[5] أي لم يبرح.

[6] مرجع كتفيه: أسفلهما.

[7] كذا في أغلب النسخ. وفي أ، م: «و قد قتل زيد بن أيوب ورجل آخر» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت